جريدة الشاهد اليومية

د. حجازي عبدالنبي

د. حجازي عبدالنبي

لقد جاء الإسلام حافظاً للحقوق والحريات وأوجب على أتباعه أن يكونوا كذلك ولا يحيدوا عن الطريق، ولهذا بدأوا حياتهم بالحب والود منتهين عما كانوا يفعلونه في الجاهلية من ظُلم للمرأة واضطهاد إلى غير ذلك من الأمور المخالفة للشرع.. فلمّا جاء الإسلام الحنيف ظهرت للمرأة تضحيات جليلة لخدمة الدين والوطن والوقوف بجانبه، ولم يكن دورها محدوداً في الحياة وفقط، إذ صبرت على أذى المشركين في العهد المكي وقُتلت وذاقت أشد ألوان العذاب وتحمّلت الكثير من أجل الثبات على هذا الدين الحنيف ، وقد نهل النساء المسلمات في الصدر الأول من الإسلام من معين النبوة المطهرة، حيث ظهر منهن النابغات في مختلف العلوم والفنون، ولما دخل الإسلام شبه الجزيرة العربية ومنذ العصور الإسلامية الأولى عُرف عنها أنها تقرأ وتكتب، وتُجاهد الأعداء، وتُشارك في الحروب والغزوات ، وتقوم بمهمة التطبيب والتمريض، وظهر لنا من النساء من فسَّرن القرآن الكريم وكن فقيهات، وراويات للشعر والأخبار ، وعالمات بالأنساب ، ولقد كان للمرأة إسهام واضح في نقل الأحكام إلينا عن طريق السند المتصل المتواتر لهذا الدين الحنيف، حيث كان منهن النساء الثقات المحدِّثات،لا سيَّما ما يخص أحكام النساء والبيوت، وكان جُل الصحابة والخلفاء - رضي الله عنهم - يرجعون إلى أمهات المؤمنين، وعلى رأسهن عائشة، وحفصة، وأم سلمة - رضي الله عنهن - يستفتونهن عمَّا خفي عليهم من أحكام دينهم أو غاب عنهم، مما له صلة بالمرأة وأحكامها، واشتهر منهن جماعة برواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهن من ضحت بحياتها من أجل نصرة هذا الدين الحنيف القيِّم.
فهذه هي السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - هي أوَّل مَنْ آمَنَ بالنَّبيِ, صلى الله عليه وسلم, على الإطلاق، وكانت ملاذًا وحِصناً منيعاً للدَّعوةِ الإسلاميَّة حتَّى وفاتِها في العام العاشِر من البعثة، كذلك كانتِ المرأة أوَّل مَن ضحَّتْ بِنَفْسِها في سبيل الله، فالسَّيِّدة سُمَيَّة بنت خيَّاط - رضي الله عنها - هي أوَّل شهيدة في الإسلام، كما كانت المرأة أوَّل مَن هاجر في سبيل الله، وهذه هي السيدة رقيَّة بنت محمد, صلى الله عليه وسلم, هي أوَّل مَن هاجرتْ إلى الله تعالى مع زَوْجِها عُثْمان بن عفَّان - رضي الله عنهما - إلى الحبشة ولما كانت تضحيات المرأة في كثير من أمور الحياة، كان ذلك بدافع الحب لدين الله – الإسلام – والدفاع عن الأوطان والوقوف بكل قوة في وجه من يريد لها الإهانة والمذلة في حاضرها ومستقبلها.
إن الرسول الكريم كان يحض أزواجه مثلاً على المشاركة في التطبيب وتعلّم فنونه، ويُربي فيهن حب العطاء بل التفاني والإخلاص فيه، مثال ذلك: عندما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والمسلمون خائفون، فعثر أسامة بعتبة الباب فشجه في وجهه، فكما ورد في مصنف ابن أبي شيبة، ج 6،  ص  392، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة :«أميطي عنها الأذى» فقذرتها فجعل، النبي صلى الله عليه وسلم يمص شجته ويمجها.
والحقيقة أن المرأة المسلمة في العصر الحالي لم تُمنع حقاً من تلك الحقوق – حق العمل -، بل إن جُل البلدان الإسلامية خصصت لها ما يرفع من مكانتها والاستفادة من خبراتها في شتى ميادين الحياة، ولم يقل حظها في ذلك عن الذكر، فالإسلام لا يمنع المرأة من الخروج للدراسة أو العمل، ولكن شريطة أن تقوم بدورها في رعاية أبنائها وتنشئتهم تنشئة صالحةً يعود نفعها على المجتمع ككل، وهو الدور الذي اصطفاها الله تعالى له وكرمها به دون غيرها من المخلوقات.
لقد تحملت المرأة من الأعباء الكثير والكثير إذ كانت في الماضي محرومة من أبسط حقوقها التي تشعرها بقيمتها في الحياة, علماً بأن بعض الحضارات التي كانت موجودة بالماضي قدَّسوا المرأة وأنوثتها فأطلقوا أسماء النساء والأمهات على ألقاب الآلهة واستطاعت المرأة بذلك أن تصل لمنصب الملك والقاضي والوزير، ومع تطور فكر الإنسان وتقدم المجتمعات استطاعت الحصول على كامل الحقوق التي تُثبت وجودها وتُحقق طموحها، مع العلم أن الإسلام حين أتى أعطاها من الحقوق ما لم تُعطَه من قِبل أي حضارة من الحضارات.

ومن العلماء من حاول تحديد هذه الجماعة بعملها بالحق وقضائها بالعدل، دون إشارة إلى عصرها واسمها؛ لأن سبب استحقاقها بالتنويه هو إرساؤها قيم العدل والمساواة بين الجميع، وليس العكس، فبتحقيق العدل تطيب الحياة، ويعيش المجتمع بأمن واستقرار وسلام.
يقول أبو الفتح البستي:
عليك بالعدلِ إن وُلِّيت مملكة
واحذرْ مِن الجوْرِ فيها غايةَ الحذرِ
فالملك يبقَى على عدلِ الكفورِ
ولا يبقَى مع الجوْرِ في بدْوٍ ولا حَضَرِ
إن ما تحياه أمتنا وتُعاني منه الكثير من شعوبنا المكلوبة المغلوبة على أمرها، والتي تتطلع للإنصاف والتعافي، وتبحث بكل السَُبل والوسائل عن الفرج لكرباتها وأزماتها المتكررة والمتفاقمة، لهو أمر يجعلنا نعيد أحداثاً وذكريات لم نتخيل يوماً أنها السبب الرئيسي فيما نحن عليه الآن، إنه وبلا أدنى شك غياب دور العدل في المجتمع، إننا إذا ندرس هذا الأمر فنقول كما قال غيرنا من الباحثين: «إذا كانت إقامة الحضارات تقتضي وجود عقيدة لأصحابها سواء كانت فاسدة أو صحيحة، بحيث تكون الحافز والمسطر لتوجه مجتمعها، فإن المجتمعات المشملة محظوظة بما أنعم الله عليها من عقيدة صحيحة تستند إلى نصوص محفوظة، غير أن هذه المجتمعات تشقى حين تبتعد عن مستلزمات عقيدتها، وتتنكر لمآثرها كإقامة العدل والإنصاف والتعايش السلمي، تنتج غير الإفلاس والتبعية والتشرذم، وهو ما يحدث الآن في العالم الإسلامي».
وحتى يمكننا الخروج من هذه الأزمات كلها، من عجز وفشل في الأخلاق وتآكل داخلي، فلابد من تطبيق العدالة في جميع مناحي الحياة، فهو وحده الذي يَكفل المجتمعات المسلمة المضطربة حالياً، والتي من بينها حال بعض بلداننا. وما نشاهده اليوم في واقعنا المرير يومياً يُحتم علينا أن نعيد لهم الأمن والأمان والاستقرار والتقدم والازدهار بالعدل.
وختاماً نقول: إنه وبقدر تطبيق العدل والعدالة في مجتمعاتنا يكون الاستقرار والرقي والتقدم، أما الاستمرار في المناشدات الجوفاء، والادعاء بأن هناك رغبة أكيدة في ممارستها دون اتخاذ الاجراءات اللازمة نحو الخطوات الجادة في ذلك فإنهم لن يصلوا إليه ما داموا لم ينظروا للواقع من حولهم. أما إن كانت هناك خطوات جادة وفاعلة نحو تحقيق الأماني كي يتحقق العدل فإننا نكاد نجزم أن الحق والعدالة ستحقق في مجتمعنا ما دام العدل في داخلنا قائم يقول القائل:
عن العدلِ لا تعدلْ وكنْ متيقِّظاً
وحكمُك بين النَّاس فليكُ بالقسطِ
وبالرِّفقِ عاملْهم وأحسنْ إليهم
ولا تبدلنَّ وجه الرِّضا منك بالسَّخط
وحَلِّ بدُرِّ الحقِّ جِيد نظامِهم
وراقبْ إله الخلق في الحلِّ والربطِ.

الخميس, 07 ديسمبر 2017

العدل من القرآن الكريم «1-2»

إن المتأمل المتفحص لآيات القرآن الكريم، دستور المسلمين، وأحد مصادر التشريع السماوي، يرى أن الله تعالى قد بين لنا جُلُّ المَبادئ والقواعد المُنَّظِمة لحياة المجتمع الآمن، ما يُبْرز لنا شمولية الإسلام وملاءمته لكل مجتمع وبيئة وزمان ومكان، واهتم بما يُسْهم في استقرار المجتمع المسلم ويعزز تماسكه وترابطه، وأول ذلك إرساء القِسط وتطبيق العدالة، لأن العدل مفتاح السّلم المجتمعي، فعندما يَسود السلم يَستقر المجتمع، وإثر استقراره يَسعى للتنمية، ويُفكر في التطور، وعقب ازدهاره تَعُم الرَّفاهية، ولكي يضمن القرآن الكريم للمجتمع المسلم ذلك فقد ذكر صوراً من العدل في آيات عديدة وفي سُور مُخْتلفة إلا أننا من خلال تتبعنا لها نراها تحثنا على ما يلي: 
1 - إقامة العدل والقسط بين الناس قولا وعملاً.
2 - أمر الله تعالى لنبيه والمؤمنين بالعدل، وجعله شرطاً من شروط الاستخلاف في الأرض.
3 - شُمولية الإِسْلام في جَعل العدل أساس الملك.
4 - مدْح الله وإشادَتِه بالمجتمع العادل.
5 - التركيز على قضايا رئيسية ومهمة تخص أمن المجتمع وسلامته.
يقول الله تعالى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» قال الإمام الطبري ج13، ص 172 في تفسيره لهذه الآية: « وفي الآية تقريظ من بارئ البشر لأمة من قوم موسى عليه السلام، وصفها ربنا عز وجل أنها تهتدي بالحق، أي تستقيم عليه وتعمل به، وتعدل بالحق، أي تطبقه في الأخذ والعطاء، والإنصاف من النفس، وعدم الجور على الغير. يدخل في الهداية بالحق دعوة الناس إلى التوحيد، وهو عدل بين الإشراك والتعطيل. ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج9، ص142: المقصود بالأمة هي : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وهذا يعني أن هدى الناس إلى الحق، أو إرشادهم إلى الاستقامة عليه، يتطلب وجود جماعة تعرف ما تدعو إليه معرفة علمية وعملية تامة، ومتفقة على مبادىء الدعوة وأركانها، ولديها الخبرة الملائمة للتعامل مع المخاطبين، وتَصَدُّر الجُهلاء في المَشْهد الدعوي، وتبنيهم خطاب التَّشَدُدِ وإِلْقَاء التُّهم على المُخَالِفينَ، وتَنْفِيرِ النَّاسِ مِن الإِسْلَامِ، وهذا يَسْتَدْعِي وُجودَ عَدَالَةٍ تُوَازنَ بَيْنَ الإِفْرَاطِ والْتَّفْرِيطِ وتَضَعُ الأُمورَ في مَوَاضِعِهَا، سواء كانت في الالتزام السلوكي، أو الدعوة القولية، أو القضاء، أوالتعامل مع الغير، أو غيرها وهذا ما اتُّصفت به تلك الأمة بحيث استحقت تزكية الله وثناءه عليها.
وهنا نُدرك من خِلال هذه الآية الكريمة أنَّ من بين الأمم في كل الأزمنة أمَّة تَقُومُ بِالْحَقِ والعدل قولاً وعملاً ويحضرني الآن قول الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى: «وبه يَعدلون»، أي أنهم يَحْكمون بالعدل على بصيرة وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها».

الأربعاء, 18 أكتوير 2017

العدل من القرآن الكريم «2-2»

.. وهنا نُدرك من خِلال هذه الآية الكريمة أنَّ من بين الأمم في كل الأزمنة أمَّة تَقُومُ بِالْحَقِ والعدل قولاً وعملاً ويحضرني الآن قول الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى: «وبه يَعدلون»، أي أنهم يَحْكمون بالعدل على بصيرة وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها». ومن العلماء من حاول تحديد هذه الجماعة بعملها بالحق وقضائها بالعدل، دون إشارة إلى عصرها واسمها؛ لأن سبب استحقاقها بالتنويه هو إرساؤها قيم العدل والمساواة بين الجميع، وليس العكس، فبتحقيق العدل تطيب الحياة، ويعيش المجتمع بأمن واستقرار وسلام.
يقول أبو الفتح البستي:
عليك بالعدلِ إن وُلِّيت مملكة
واحذرْ مِن الجوْرِ فيها غايةَ الحذرِ
فالملك يبقَى على عدلِ الكفورِ
ولا يبقَى مع الجوْرِ في بدْوٍ ولا حَضَرِ
إن ما تحياه أمتنا وتُعاني منه الكثير من شعوبنا المكلوبة المغلوبة على أمرها، والتي تتطلع للإنصاف والتعافي، وتبحث بكل السَُبل والوسائل عن الفرج لكرباتها وأزماتها المتكررة والمتفاقمة، لهو أمر يجعلنا نعيد أحداثاً وذكريات لم نتخيل يوماً أنها السبب الرئيسي فيما نحن عليه الآن، إنه وبلا أدنى شك غياب دور العدل في المجتمع، إننا إذا ندرس هذا الأمر فنقول كما قال غيرنا من الباحثين: «إذا كانت إقامة الحضارات تقتضي وجود عقيدة لأصحابها سواء كانت فاسدة أو صحيحة، بحيث تكون الحافز والمسطر لتوجه مجتمعها، فإن المجتمعات المشملة محظوظة بما أنعم الله عليها من عقيدة صحيحة تستند إلى نصوص محفوظة، غير أن هذه المجتمعات تشقى حين تبتعد عن مستلزمات عقيدتها، وتتنكر لمآثرها كإقامة العدل والإنصاف والتعايش السلمي، تنتج غير الإفلاس والتبعية والتشرذم، وهو ما يحدث الآن في العالم الإسلامي».
وحتى يمكننا الخروج من هذه الأزمات كلها، من عجز وفشل في الأخلاق وتآكل داخلي، فلابد من تطبيق العدالة في جميع مناحي الحياة، فهو وحده الذي يَكفل المجتمعات المسلمة المضطربة حالياً، والتي من بينها حال بعض بلداننا. وما نشاهده اليوم في واقعنا المرير يومياً يُحتم علينا أن نعيد لهم الأمن والأمان والاستقرار والتقدم والازدهار بالعدل.
وختاماً نقول: إنه وبقدر تطبيق العدل والعدالة في مجتمعاتنا يكون الاستقرار والرقي والتقدم، أما الاستمرار في المناشدات الجوفاء، والادعاء بأن هناك رغبة أكيدة في ممارستها دون اتخاذ الاجراءات اللازمة نحو الخطوات الجادة في ذلك فإنهم لن يصلوا إليه ما داموا لم ينظروا للواقع من حولهم. أما إن كانت هناك خطوات جادة وفاعلة نحو تحقيق الأماني كي يتحقق العدل فإننا نكاد نجزم أن الحق والعدالة ستحقق في مجتمعنا ما دام العدل في داخلنا قائم يقول القائل:
عن العدلِ لا تعدلْ وكنْ متيقِّظاً
وحكمُك بين النَّاس فليكُ بالقسطِ
وبالرِّفقِ عاملْهم وأحسنْ إليهم
ولا تبدلنَّ وجه الرِّضا منك بالسَّخط
وحَلِّ بدُرِّ الحقِّ جِيد نظامِهم
وراقبْ إله الخلق في الحلِّ والربطِ.

الثلاثاء, 17 أكتوير 2017

العدل من القرآن الكريم «1-2»

إن المتأمل المتفحص لآيات القرآن الكريم، دستور المسلمين، وأحد مصادر التشريع السماوي، يرى أن الله تعالى قد بين لنا جُلُّ المَبادئ والقواعد المُنَّظِمة لحياة المجتمع الآمن، ما يُبْرز لنا شمولية الإسلام وملاءمته لكل مجتمع وبيئة وزمان ومكان، واهتم بما يُسْهم في استقرار المجتمع المسلم ويعزز تماسكه وترابطه، وأول ذلك إرساء القِسط وتطبيق العدالة، لأن العدل مفتاح السّلم المجتمعي، فعندما يَسود السلم يَستقر المجتمع، وإثر استقراره يَسعى للتنمية، ويُفكر في التطور، وعقب ازدهاره تَعُم الرَّفاهية، ولكي يضمن القرآن الكريم للمجتمع المسلم ذلك فقد ذكر صوراً من العدل في آيات عديدة وفي سُور مُخْتلفة إلا أننا من خلال تتبعنا لها نراها تحثنا على ما يلي: 
1 - إقامة العدل والقسط بين الناس قولا وعملاً.
2 - أمر الله تعالى لنبيه والمؤمنين بالعدل، وجعله شرطاً من شروط الاستخلاف في الأرض.
3 - شُمولية الإِسْلام في جَعل العدل أساس الملك.
4 - مدْح الله وإشادَتِه بالمجتمع العادل.
5 - التركيز على قضايا رئيسية ومهمة تخص أمن المجتمع وسلامته.
يقول الله تعالى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» قال الإمام الطبري ج13، ص 172 في تفسيره لهذه الآية: « وفي الآية تقريظ من بارئ البشر لأمة من قوم موسى عليه السلام، وصفها ربنا عز وجل أنها تهتدي بالحق، أي تستقيم عليه وتعمل به، وتعدل بالحق، أي تطبقه في الأخذ والعطاء، والإنصاف من النفس، وعدم الجور على الغير. يدخل في الهداية بالحق دعوة الناس إلى التوحيد، وهو عدل بين الإشراك والتعطيل. ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج9، ص142: المقصود بالأمة هي : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وهذا يعني أن هدى الناس إلى الحق، أو إرشادهم إلى الاستقامة عليه، يتطلب وجود جماعة تعرف ما تدعو إليه معرفة علمية وعملية تامة، ومتفقة على مبادىء الدعوة وأركانها، ولديها الخبرة الملائمة للتعامل مع المخاطبين، وتَصَدُّر الجُهلاء في المَشْهد الدعوي، وتبنيهم خطاب التَّشَدُدِ وإِلْقَاء التُّهم على المُخَالِفينَ، وتَنْفِيرِ النَّاسِ مِن الإِسْلَامِ، وهذا يَسْتَدْعِي وُجودَ عَدَالَةٍ تُوَازنَ بَيْنَ الإِفْرَاطِ والْتَّفْرِيطِ وتَضَعُ الأُمورَ في مَوَاضِعِهَا، سواء كانت في الالتزام السلوكي، أو الدعوة القولية، أو القضاء، أوالتعامل مع الغير، أو غيرها وهذا ما اتُّصفت به تلك الأمة بحيث استحقت تزكية الله وثناءه عليها.
يتبع

الأربعاء, 12 يوليو 2017

العدل من القرآن الكريم

إن المتأمل المتفحص لآيات القرآن الكريم، دستور المسلمين، وأحد مصادر التشريع السماوي، يرى أن الله تعالى قد بين لنا جُلُّ المَبادئ والقواعد المُنَّظِمة لحياة المجتمع الآمن، ما يُبْرز لنا شمولية الإسلام وملاءمته لكل مجتمع وبيئة وزمان ومكان، واهتم بما يُسْهم في استقرار المجتمع المسلم ويعزز تماسكه وترابطه، وأول ذلك إرساء القِسط وتطبيق العدالة، لأن العدل مفتاح السّلم المجتمعي، فعندما يَسود السلم يَستقر المجتمع، وإثر استقراره يَسعى للتنمية، ويُفكر في التطور، وعقب ازدهاره تَعُم الرَّفاهية، ولكي يضمن القرآن الكريم للمجتمع المسلم ذلك فقد ذكر صوراً من العدل في آيات عديدة وفي سُور مُخْتلفة إلا أننا من خلال تتبعنا لها نراها تحثنا على ما يلي: 
1 - إقامة العدل والقسط بين الناس قولا وعملاً.
2 - أمر الله تعالى لنبيه والمؤمنين بالعدل، وجعله شرطاً من شروط الاستخلاف في الأرض.
3 - شُمولية الإِسْلام في جَعل العدل أساس الملك.
4 - مدْح الله وإشادَتِه بالمجتمع العادل.
5 - التركيز على قضايا رئيسية ومهمة تخص أمن المجتمع وسلامته.
يقول الله تعالى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» قال الإمام الطبري ج13، ص 172 في تفسيره لهذه الآية: « وفي الآية تقريظ من بارئ البشر لأمة من قوم موسى عليه السلام، وصفها ربنا عز وجل أنها تهتدي بالحق، أي تستقيم عليه وتعمل به، وتعدل بالحق، أي تطبقه في الأخذ والعطاء، والإنصاف من النفس، وعدم الجور على الغير. يدخل في الهداية بالحق دعوة الناس إلى التوحيد، وهو عدل بين الإشراك والتعطيل. ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير ج9، ص142: المقصود بالأمة هي : جماعة كثيرة متفقة في عمل يجمعها، وهذا يعني أن هدى الناس إلى الحق، أو إرشادهم إلى الاستقامة عليه، يتطلب وجود جماعة تعرف ما تدعو إليه معرفة علمية وعملية تامة، ومتفقة على مبادىء الدعوة وأركانها، ولديها الخبرة الملائمة للتعامل مع المخاطبين، وتَصَدُّر الجُهلاء في المَشْهد الدعوي، وتبنيهم خطاب التَّشَدُدِ وإِلْقَاء التُّهم على المُخَالِفينَ، وتَنْفِيرِ النَّاسِ مِن الإِسْلَامِ، وهذا يَسْتَدْعِي وُجودَ عَدَالَةٍ تُوَازنَ بَيْنَ الإِفْرَاطِ والْتَّفْرِيطِ وتَضَعُ الأُمورَ في مَوَاضِعِهَا، سواء كانت في الالتزام السلوكي، أو الدعوة القولية، أو القضاء، أوالتعامل مع الغير، أو غيرها وهذا ما اتُّصفت به تلك الأمة بحيث استحقت تزكية الله وثناءه عليها.
وهنا نُدرك من خِلال هذه الآية الكريمة أنَّ من بين الأمم في كل الأزمنة أمَّة تَقُومُ بِالْحَقِ والعدل قولاً وعملاً ويحضرني الآن قول الإمام ابن عاشور رحمه الله تعالى: «وبه يَعدلون»، أي أنهم يَحْكمون بالعدل على بصيرة وعلم، وليس بمجرد مصادفة الحق عن جهل، فإن القاضي الجاهل إذا قضى بغير علم كان أحد القاضيين اللذين في النار، ولو صادف الحق، لأنه بجهله قد استخف بحقوق الناس ولا تنفعه مصادفة الحق لأن تلك المصادفة لا عمل له فيها». ومن العلماء من حاول تحديد هذه الجماعة بعملها بالحق وقضائها بالعدل، دون إشارة إلى عصرها واسمها؛ لأن سبب استحقاقها بالتنويه هو إرساؤها قيم العدل والمساواة بين الجميع، وليس العكس، فبتحقيق العدل تطيب الحياة، ويعيش المجتمع بأمن واستقرار وسلام.
يقول أبو الفتح البستي:
عليك بالعدلِ إن وُلِّيت مملكة
واحذرْ مِن الجوْرِ فيها غايةَ الحذرِ
فالملك يبقَى على عدلِ الكفورِ
ولا يبقَى مع الجوْرِ في بدْوٍ ولا حَضَرِ
إن ما تحياه أمتنا وتُعاني منه الكثير من شعوبنا المكلوبة المغلوبة على أمرها، والتي تتطلع للإنصاف والتعافي، وتبحث بكل السَُبل والوسائل عن الفرج لكرباتها وأزماتها المتكررة والمتفاقمة، لهو أمر يجعلنا نعيد أحداثاً وذكريات لم نتخيل يوماً أنها السبب الرئيسي فيما نحن عليه الآن، إنه وبلا أدنى شك غياب دور العدل في المجتمع، إننا إذا ندرس هذا الأمر فنقول كما قال غيرنا من الباحثين: «إذا كانت إقامة الحضارات تقتضي وجود عقيدة لأصحابها سواء كانت فاسدة أو صحيحة، بحيث تكون الحافز والمسطر لتوجه مجتمعها، فإن المجتمعات المشملة محظوظة بما أنعم الله عليها من عقيدة صحيحة تستند إلى نصوص محفوظة، غير أن هذه المجتمعات تشقى حين تبتعد عن مستلزمات عقيدتها، وتتنكر لمآثرها كإقامة العدل والإنصاف والتعايش السلمي، تنتج غير الإفلاس والتبعية والتشرذم، وهو ما يحدث الآن في العالم الإسلامي».
وحتى يمكننا الخروج من هذه الأزمات كلها، من عجز وفشل في الأخلاق وتآكل داخلي، فلابد من تطبيق العدالة في جميع مناحي الحياة، فهو وحده الذي يَكفل المجتمعات المسلمة المضطربة حالياً، والتي من بينها حال بعض بلداننا. وما نشاهده اليوم في واقعنا المرير يومياً يُحتم علينا أن نعيد لهم الأمن والأمان والاستقرار والتقدم والازدهار بالعدل.
وختاماً نقول: إنه وبقدر تطبيق العدل والعدالة في مجتمعاتنا يكون الاستقرار والرقي والتقدم، أما الاستمرار في المناشدات الجوفاء، والادعاء بأن هناك رغبة أكيدة في ممارستها دون اتخاذ الاجراءات اللازمة نحو الخطوات الجادة في ذلك فإنهم لن يصلوا إليه ما داموا لم ينظروا للواقع من حولهم. أما إن كانت هناك خطوات جادة وفاعلة نحو تحقيق الأماني كي يتحقق العدل فإننا نكاد نجزم أن الحق والعدالة ستحقق في مجتمعنا ما دام العدل في داخلنا قائم يقول القائل:
عن العدلِ لا تعدلْ وكنْ متيقِّظاً
وحكمُك بين النَّاس فليكُ بالقسطِ
وبالرِّفقِ عاملْهم وأحسنْ إليهم
ولا تبدلنَّ وجه الرِّضا منك بالسَّخط
وحَلِّ بدُرِّ الحقِّ جِيد نظامِهم
وراقبْ إله الخلق في الحلِّ والربط

السبت, 03 يونيو 2017

رمضان وأحوال الصالحين

لقد منّ الله تعالى علينا بهذا الشهر الفضيل، وخصه بمزيد من العناية والرعاية والفضائل والنفحات الايمانية دون غيره من الشهور، ولهذا ذكره الله تعالى صراحة في كتابه العزيز سورة البقرة الآية 185: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» ففي هذا الشهر الفضيل تنزل رحمات الله تعالى تترى على الجميع، فترى النُّفوس جميعها مقبلة على طاعة ربها سبحانه وتعالى، مدبرة عن معصيته، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «اذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» فهذا شرف عظيم وفرصة كبيرة لمن وفقه الله تعالى وفتح على قلبه للاقبال على طاعة مولاه سبحانه، والادبارعن كل ما يُغضبه سُبحانه وتَعالى ويكفينا أن لله تعالى في هذا الشهر الكريم عتقاء من النار.
حال الصالحين في رمضان:
يعد الصوم بمثابة حصن منيع من الوقوع في المنكرات، فهو خير داعم لمحاربة الهوى وقمع الشهوات وتزكية النفس، والزامها بالوقوف عند حدود ربنا سبحانه، يبتعد بذلك عن الريب والشك والسب واللغو واطلاق العنان للسان كي يخوض في أعراض الناس، أو يسعى بينهم بالغيبة والنميمة وكأن رمضان ما جاء إلا لذلك عن كثير من البشر إلا من رحم الله تعالى.
ان المتأمل في سير الصالحين وكيفية إدارة يومهم في رمضان سيرى أنهم كان لهم باع وكأن الصوم في حقيقته عندهم هو بالفعل حرمان لكن من المعاصي فاشكر ربك الباقي الحنان المنان.
لقد سعى الصالحون لفعل الخيرات واغتنام أيام الخير جميعها لفعل الطاعات والاكثار من العبادات التي تُقرِّب العبد من ربه سبحانه وتعالى كاقامة الصلاة وايتاء الزكاة على وجهها الصحيح، وبذل الصدقات، وليس هذا فحسب؟ انهم يحرصون أيضاً على البُعد عن اقتراف الآثام والفواحش، فاذا نسوا أو غلبت الواحد منهم نفسُه على فعل معصية ذكر الله تعالى مسرعًا فأناب اليه واستغفر وتاب مما أصاب، وذلك لأن الصوم غرس فيه خشية الله تعالى ومراقبته، قال تعالى في سورة الأعراف آية رقم «201»: «اِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَاِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ» وهنا نَجِدُ أن الصائمين يتحفظون مما يعكر صفو مزاجهم واستمتاعهم بالصيام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يَدَعَ قوْل الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فكأن الصوم بالنسبة لهؤلاء تهذيب لا تعذيب.
الصوم ايماناً واحتساباً:
من ينظر للصالحين في دنياناً يدرك تماماً أن الصوم ضبط وتعظيم لشعائر الله تعالى، وليس مسايرة وتقليد للآباء والأجداد، كصوم من يصوم متوجعًا متحسرًا، ويقتل أوقاته بالنوم والبطالة، فمثل هذه الفئة يورطون أنفسهم ويهلكونها معنوياً، ويتمنى أن لو انتهى الشهر سريعاًَ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يقول الله تعالى في كتابه متحدثاً عن آيات الصيام في سورة البقرة الآية 183: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» فهم يعلمون يقيناً أن الغاية العظمى من الصوم هي التقوى بجميع معانيها، فهي غاية تتطلع اليها أرواح الصالحين وأفئدتهم، فيندفعون لتحقيقها بقوة وثبات ويقين بأن ما عند الله تعالى خير وأبقى.
ان الصوم أكبر حافز لتحصيل هذه الغاية – التقوى -، وخير أداة من أدواتها وأحسن طريق موصل اليها، ومن ثم يرفعها سباق القرآن الكريم في ختام الآية أمام أعينهم وقلوبهم هدفاً وضاء يسعون اليه عن طريق الصيام، فيكسبهم التوبة والأوبة عما اقترفوه من آثام وذنوب، ويعطيهم الجد والنشاط في القيام بوظائفهم تجاه دينهم ودنياهم وأخراهم فالصيام جنّة أي سِتر ووقاية يَقي صَاحِبَه المعاصي وجميع المزالق التي يتردى فيها، والصيام جنة ما لم يخرقها بشيء من أعمال الاثم وسوء النية أو سوء الاستقبال له وعدم الانشراح به، أو يخرقها بسوء الفهم وعدم المراقبة لله تعالى.
فاذا انتهى المؤمنون من صيام شهرهم فانهم يشكرون الله تعالى على اتمام نعمته عليهم فيكبرون الله تعالى ليلة عيد الفطر، ويُخرجون صدقة الفِطر صَاعًا من تمر أو زبيب أو شعير أو طعام، كما ورد عن سيد الأنام عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويعلمون أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ليغنوهم عن السؤال في هذا اليوم، كما أمر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
ومما أعجبني حين طالعت مؤخراً كتاب احياء علوم الدّين للغزاليّ يقول: قال الحسن البصري رحمه الله: «ان الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته الى مرضاته، فسبق أقوامٌ ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا.
ويعلق أحد العارفين بالله على ذلك قائلاً: فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المُبطلون. أما والله لو كُشف الغطاءُ؛ لشُغِل محسنٌ باحسانه، ومسيءٌ باساءته؛ عن ترجيل شعرٍ، وتجديد ثوب». وفقنا الله واياكم لطاعته واغتنام أيامه المباركة.

إنه لمن الواجب أن يُعين كل منا الآخر للوقوف بجانب الحق وأهله ، ويتخذ في ذلك الاجراءات اللازمة والامكانات المتاحة من نصرة والتزام وتضحية من أجل الحق ، ودحض شبه الباطل وأهله ومحاربتهم بكل ما أوتي من قوة ويقين.
 إننا في حياتنا اليومية نحتاج إلى مراجعة باستمرار كي تقينا وأهلينا وذوينا من الوقوع تحت وطأة المنكر والغواية ؛ لذا وجب على كل منا أن يعرف طريق الحق وسبيل الرشاد حتى  يميز الخبيث من الطيب، كي يظل الحق تقياً نقياً.
إن القارئ في كتاب الله تعالى ليرى أن هذه القضية – الصراع بين الحق والباطل - قديمة حديثة لا سيما وأن الله تعالى ذكرها في كتابه، فهي تتمثل بصور وأشكال مختلفة وصراعات متعاقبة متغيرة وسيظل هذا الأمر باقياً ودائماً ما كانت الدنيا فربُّنا سبحانه وتعالى دائماً يوجهنا وينصحنا فقال تعالى في سورة النساء الاية رقم 76:{الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.
وفي ذلك يحضرني قول بعض السلف: عليك بالحق ولا تستوحش من قلة السالكين ، وإياك والباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وأيضاً قول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: «كن في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله» وإن كان النَّاس كلُّهم في الجانب الآخر.
ولهذا فإنه ليس من الحكمة والعدل أن يحتج أحد على عمله بكثرة الفاعلين، فانتشار التطرف والإرهاب الذي نراه يومياً ونشاهده ، واستخدام العنف والقسوة من أهل المذاهب المختلفة والطوائف لنشر مذهبها وآرائها دون رادع أو وازع من دين، كل ذلك ليس دليلًا على مشروعيتها ، فالعبرة عندنا بموافقة الدليل لا بكثرة الفاعلين والسالكين، وقد أمر الله نبيه أن يلتزم في دعوته حتى مع المخالفين له بالحكمة والموعظة الحسنة والبصيرة الخالصة، وهما بمعنى موافقة الحق، وأن يصرف وجهه عن تجميع الناس إذا كان الأمر متعلقاً بمجانبة الحق ، وهنا يحضرني التوجيه الأمثل والرباني لسيدنا رسول الله محمد في أواخر سورة يوسف الآية رقم 103، حيث بين الله له أنه ليس مكلفًا بأن يُدخل الناس كلهم في دين الله فقال سبحانه : {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}  وإذا تتبعنا آيات القرآن الكريم سنجد أن الله تعالى بيّن له ما كُلِّف به وأن يتبع ذلك ويسلك المسلك المرسوم له من قِبل ربه سبحانه ، يقول تعالى الآية : 108: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَني}، وفي سورة النحل الآية 125، يقول ربُّنا سبحانه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} ، فالمؤمن ليس مأمورًا ولا مُكلَّفاً بأن يُدخل الناس في دين الله بالقوة والعنف، وإنما عليه أن يلتزم بالطاعة والانصياع لأوامر الله  تعالى وأوامر رسوله الكريم، وأن يجتنب ما نهيا عنه.
إن قضية الصراع بين الحق والباطل قضية أزلية وقديمة تحدث بشأنها كثير من أهل الاختصاص ، وذلكم الصراع عبر مراحل التاريخ المختلفة  منذ بداية آدم حتى يومنا هذا ، ومهما طال الصراع فالحق هو المنتصر،  هذا وعد الله تعالى لعباده والغلبة بإذن الله ستكون لمن تمَّسَك بالحق واتبع الهدى ومعلوم لدينا جميعاً فيما أخبر عنه حبيبنا الرسول الكريم انّ نهاية الخلق ستكون في شكل صراع بين الحقّ والباطل وستحسم لصالح الحق بإذنه تعالى وسيكون ذلك في معركة المسلمين مع الدّجّال وسيقضى عليه.
فالحق هو الاعتقاد بالشيء لما هو مطابق في نفس الامر كقولنا اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنّة والنار هو حقّ . اي هو إيمان بشيء ثابت وواقع ، يقول تعالى : {فهدى الله الذ ين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه}.
وقد يُخيل لدى فئة قليلة من البشر أنهم على الحق ، وأن الحق معهم،  الحق الذي من وجهة نظرهم يبرر لهم كل فعل يقومون به، فتراهم يعتقدون زوراً وبهتاناً أن لديهم الحجة والبرهان فيقلبون الحق باطلاً، ويزيفون الحقائق، وتراهم دائماً لا ينجحون في شيء إلا مع أناس جهلة بأمور الدين وأحكامه ، يجعلونهم ضحايا لأفكارهم الهدامة وطموحاتهم الزائفة العارية عن الصدق في القول والفعل – ظاهرياً وما خفي فهو في علم الله-.
لذا فإني أنصح نفسي وإخواني بمعرفة الحق، فبمعرفته نَعرِف رِجَالَه الذين لا يخافون في الله لومة لائم ، نقتدي بهم، ونسير على أثرهم، وهناك صنفاً من البشر يعرفون الحق بالرجال ، فهؤلاء واهمون مضللون، فالرجال بشر قد يُصبح العبد فيهم مسلماً ويُمسي كافراً والعكس صحيح، لكن إذا نظرنا للحق فنراه لا يتغير ولا يتبدل ،  فمن يحمل الحق يقتدي به، ويتمسك به، ويُوصف بالعدل والإنصاف ؛ نظراً لتمسكه بالحق الذي عليه يسير.

الخميس, 18 مايو 2017

خطيب الأنبياء

لقد أرسل الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين داعين إلى الحق والى طريق مستقيم والمتأمل في القصص القرآني الفريد يرى أن كل واحدة من قصص الأنبياء تُناقش مَنْهجاً وفِكراً من مناهج الانحراف والأفكار الشاذة وتتعرض بالتحليل والرد والتقويم لفلسفة من الفلسفات وتبحث قضية كبرى من قضايا الفكر الإنساني يقول القائل: ان قصص الأنبياء تشتمل على مناقشة لأصول المناهج الفكرية المنحرفة والمتكررة عبر التاريخ الإنساني بأكمله ولعل ما يلفت انتباهنا قصة نبي الله شعيب الملقب بخطيب الأنبياء وتلك الواقعية الدعوية التي تعامل بها شعيب عليه السلام مع قومه اننا حين ننظر في كتاب ربنا سبحانه نرى من الفوائد الخاصة والجمة درراً تخص المهتمين بمخاطبة الجمهور والدعوة إلى الله سبحانه فقديماً وقفت عندها طويلاً منذ أن كنت طالباً بالجامعة وجال بخاطري أن أقوم بإبراز أهم القضايا التي ناقشها خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام كي نقِفَ على بعْضِ مكنُونات هذا القصَّص العظيم وأسراره من خلال آيات القرآن الكريم واذ بي أقف على المنهج الدعوي الذي لا مثيل له والذي تعامل به شعيب.

شعيب في القرآن الكريم
 ان الحديث عن سيدنا شعيب وردت قصته  في أربع سور من القرآن الكريم وهي: «سورة الأعراف من الآية 85: 93 وسورة هود من الآية 84: 95 وسورة الشعراء من الآية 186: 191 وسورة العنكبوت من الآية 36: 37» ويأتي اهتمام القرآن الكريم بهذه الحقبة من الزمن ليذكرنا بأن البشرية في تاريخها الطويل عرفت فكرة مشابهة لفكرة العلمانية التي يُدعى لها بين الحين والآخر ففكرة العلمانية وفصل الدين عن مجالات الحياة ليست حديثة أو وليدة عصور النهضة الأوروبية كما يدعي أصحابها بينما هي منهج فكري بشري قديم برز عند قوم شعيب كما حكى القرآن الكريم عن ذلك من سورة هود آية رقم 87: «قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ اِنَّكَ لَأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ». فهم يتعجبون من وجود علاقة بين الصلاة وبين ادارة الأموال وأوجهِ التعامل معها وتلكم بلية أخرى فوق الكفر وهي أنَّهم لا يَرون رابطاً بين التقوى والصلاة والصلاح وبين الشؤون المالية وكأنهم يقولون:
لا علاقة بين الدين والاقتصاد.
وخلال تدبرنا لقصة شُعيب رأينا أنه كان دائم النُّصح والتَّوجيه لهم بأن يقولوا الحق ويتبعوه في كل أمورهم كما أنه بيَّن لهم منهجه مصداقاً لقول الله تعالى من سورة هود آية رقم 88: «قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ اِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ اِنْ أُرِيدُ اِلَّا الْاِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي اِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْهِ أُنِيبُ» ففي الآية الكريمة توجِيهات تربويَّة وأُصُول دعويَّة تُشَكِّل زادًا قيِّمًا للداعية إلى الله لا يُمكن الاَّ أن تُعينه في مسيرته النبيلة المباركة.
وبهذا يتسع لنا مجال آخر في فهم أسباب اختيار الحق لقصص معينة من قصص الأنبياء حيث قال تعالى من سورة غافر آية رقم 78 : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ» وكأن القصص المنتقاة التي أوردها القرآن تُناقش رؤوس القضايا الإنسانية والنظريات الفلسفية وفي قصص الأنبياء لابن كثير رضي الله عنه يقول: «ويترتب على هذا أن يُقبِلَ المُفَسِّر على قضية وقصة شعيب وأن يَجْمع كل مواضع ورودها في القرآن ثم يتأمل كيفية المعالجة الالهية لكثير من القضايا الحياتية المهمة.

شعيب واليقين في الدعوة
ان نبي الله شعيب كان من الدعاة المميزين ودليل ذلك أنه دائماً  كان يدعو قومه بأوضح العبارات وألطفها فيقول: اني على بينة من ربي وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه بل انني أول من يتركه عملاً بقوله تعالى من سورة البقرة آية رقم 44: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ» قال لقومه انني لا أدعوكم إلى الافساد في الأرض بل أريد الاصلاح بقدر طاقتي وجهدي وأدعو الله أن يوفقني في ذلك هذا ما قاله شعيب لقومه كما ورد في سورة هود آية رقم 88: «يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ اِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ اِنْ أُرِيدُ اِلاَّ الاِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي اِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْهِ أُنِيبُ» فتأكيد نبي الله  شعيب لقومه من خلال قول الله عز وجل: «أَرَأَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وذلك ليُدلل لهم أنه على هدى الله له وعلى طريقه المستقيم ويقينه المستمد من رب العزة سبحانه وهذا من الأساسيات التي لا ينبغي أن يتنازل عنها أيُّ صاحب دعوة اذ كيف يدعو لأمر هو نفسه غير عامل به في قرارة نفسه ولا مدافع عنه ولا متشبث به فنبي الله شعيب كان على فقه من أمر دعوته ولم لا؟ وهو المُلَّقَبُ بخطيب الأنبياء والمؤيد من الله بالحجج النيرات وأوضح الدلالات وذلك لأسلوبه العذب الفريد وحكاية القرآن الكريم عنه وهو يربِّي الدعاة والمصلحين في كلِّ زمان ومكان والناظر في آيات القرآن الكريم وهذه القصة تحديداً يتنبه لقول الله تعالى: «اِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» وفيها لفت الانتباه لتحريك الأحاسيس والمشاعر لتعترف وتُقر بالعجز البشري تجاه صنعة الله سبحانه وألفاظه الواضحة البينة.
انَّ تحريك المشاعر والأحاسيس تُقّوِّي حَرارَة الخِطاب الدَّعوي وصدق قائله ومن ثمَّ كان لزاماً على الدعاة أن يتزودوا لدعوتهم ويُحسنوا تبليغها ويتقوا ربهم ويجتهدوا في بث العلم والدعوة إلى الله تعالى بأسلوب عذب تقبله النفوس البشرية.

الجمعة, 12 مايو 2017

احذروهم

يسعى المتلاعبون دائماً في كل عصرٍ ومِصرٍ أَنْ يُبهروك ويُقنعونك بقضيتهم، واثارة المشاعر في صالح قضية ما، فهم أهل فن في هذا المجال لا يُشق لهم غبار في عرض المعلومات التي تتبع فكرهم  وآراءهم فقط، ناهيك عن كثرة جدالهم غير المرغوب فيه من قِبل البعض، فتراهم يتجاهلون عن عمد الحقائق والنتائج المقدمة غير المتلائمة والمتناقضة معهم، وعندما تصل الأمور لذروتها تراهم يتلاعبون بالمعلومات وكأنهم أعداء للطرف الآخر، خصوصاً اذا كان هذا الطرف أكثر صدقاً منهم على مر حياته بأكملها.
وهنا لابد أن يكون المتحدث موضوعياً وأن يملك عقلاً باحثاً عن ومضات النور والحق ليُوصِل اشعاعها للملأ على الحقيقة، لعيون تلقف كل ما هو جميل من مشاهد الرُّقي الحضاري الإنساني والأخلاقي ضمن الحوادث التاريخية، ولكن هيهات لفئة استهدفت الأخضر واليابس كي لا تكون مع الركب لتصل السفينة بالجميع إلى بر الأمان، ولكن أين من ينصح ويعظ، انهم بلا أدنى شك صاروا يشحنون الجميع بسلبيات وأمور تمنَّوا أن لو كانت جَرَت على أيديهم، ليحفظ لهم التاريخ أنهم فعلوا  كذا وكذا.
فعن بعض السلف قال: «من سره أن يَكمُل له عمله فليحسن نيته فان الله - عز وجل -  يأجر العبد اذا حسّن نيته حتى باللقمة».
من خلال أحداث التاريخ نكاد نجزم أن ما يفعلونه ما هو إلا طمع في ارضاء أنفسهم وخوفهم من أن يتسلط عليهم شيطانهم، وبالتالي قاموا مجتمعين لابطال الحق والتعريض بقائله بكل الطرق والوسائل الممكنة لديهم مع أن الواقع يقول غير ذلك.
ان الكاذبين دائماً يريدون أن يخلطوا الظلام بالنور، ولم لا؟  حيث ان النور – الحقائق -  سيُظهر خُبثهم ومكرهم وحبّهم لذواتهم وأنفسهم وخيانتهم للأمانة التي حملهم الله اياها.
روى الامام أحمد بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي أنه قال: «يأتي على الناس زمان، يُغربلون فيه غربلةً، يبقى منهم حثالة – والحثالة الرديء من كل شيء –  قد مرِجت –  أي اختلطت – عهودهم وأماناتهم واختلفوا، فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه».
إن ما يسعى له هؤلاء الكاذبون من تشكيكهم في الحقائق المتداولة ما هو إلا وصول للنتائج الزائفة تأسيساً على الحقائق والمناقشات الباطلة، ليتهم يعودون للحق أو يسكتون خيراً  لهم.
وهكذا يظل المتلقي والمتابع في دوامة غير منتهية من الأحداث والوقائع، ولا يجد الفرصة السانحة للتأمل أو التفكير والتحليل؛ نظراً لكثرة التشكيك واقناع النفس أنها على الحق، ويتظاهرون بأنهم مثل كل الناس لا ينتمون لفئة دون أخرى، وتراهم يناقشون ويُحللون ليُثبتوا صدق كلامهم بكل الطرق الممكنة متظاهرين بأنهم يدعون إلى الحق والى الله تعالى وحده، والحق سبحانه وتعالى منهم ومن أفكارهم واتجاهاتهم وكذبهم وافترائهم على الخلق براء.

الصفحة 1 من 3