جريدة الشاهد اليومية

د.علي الزعبي

د.علي الزعبي

الأحد, 22 أكتوير 2017

شكراً مرزوق الغانم

ما قاله رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم في البرلمان الدولي ضد الوفد الإسرائيلي، والذي تسبب في خروج الاسرائيليين من القاعة تحت تصفيق معظم الحضور، هو قول يمثل معظم أهل الكويت، ومعظم أهل الخليج، ومعظم العرب والمسلمين.  أما القلة من الكويتيين والخليجيين والعرب الذين ازعجهم كلام الغانم فهو أمر متوقع جدا , فقد قال الشاعر السعودي الكبير خلف بن هذال ذات مرة: «من بد صهيون... بذتنا صهاينا»! وما أكثر «صهاينتنا» هذه الايام.
إن اسرائيل دولة احتلال وستظل كذلك ما حيينا، وإن فلسطين عربية وستعود بمشيئة الله لأهلها يوما ما، وما الاسرائليون إلا خصوم حتى يوم الدين .. وما الفلسطينيون إلا اخوة لن نحيد عن نصرتهم أبدا.  إن نصرة فلسطين واهلها هو دين في رقبة كل عربي ومسلم, سواء في جهاد جسدي أو مادي أو لفظي,  ولذلك كتب علينا كعرب وكمسلمين الايمان بأهمية وضرورة «صراعنا» مع العدو الصهيوني حتى وإن كانت اثاره أكثر ضررا علينا في الوقت الحالي! وما عداوة الصهاينة إلا أمر تربينا عليه من قبل الاباء ونقلناه للابناء والذين سينقلونه للاحفاد وهكذا حتى يوم الدين.
أما من يسمون ما فعله مرزوق الغانم بأنه «تهور عاطفي» ونزعة «قومجية» أكل عليها الدهر وشرب، وغيرها من العبارات التي تدل على ارتفاع درجة «الصهينة» في عالمنا العربي والاسلامي بين بعض المثقفين والساسة، فأقول لهم: ليكن موقفكم كما تشاءون,ولكن التفاعل الايجابي من قبل الكويتيين وملايين العرب والمسلمين مع ما قاله الغانم يعكس  ما في قلوب الجميع من تضامن شعبي عارم مع قضيتنا الاولى دائماً .. القضية الفلسطينية، والتي لن نتوقف أبدا عن دعمها ومساندتها ما حيينا.
شكراً أخي مرزوق فقد كان موقفك موقفا مشرفا لنا جميعا, للكويت ولشعبها خاصة وللعرب عامة . وهو موقف لا يستطيع أن يقوم به الكثيرون ممن انتقدوك، والذين أعتقد أن شجاعة موقفك اصابهم بألم وحسرة . لأنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك لا في العلن ولا في الخفاء!

الخميس, 19 أكتوير 2017

الانحراف الصحي

التقى لينين بمجموعة من الشعراء الشباب فسألهم: هل تقرأون للشاعر بوشكين؟ فردوا –وبطريقة تنم عن الغضب- إنه برجوازي ونحن لا نقرأ إلا لشاعر الثورة مايكوفسكي، فرد عليهم: أنا افضل بوشكين الشاعر على مايكوفسكي الشاعر. في هذا الصدد، يقول سعد رحيم في كتابه «المنطقة المحرمة»: هذا ما تفعله الدوغمائية بالحس الجمالي النقي! إن الاندفاع حول ومع المعتقد «فكرا، دينا، سياسة» وأدواته «المفكرين، الشعراء، رجال الدين، الساسة»، دائما ما يكون هدفا للمسيطرين سواء كانوا يمثلون سلطة سياسية أو جماعة حزبية أو فكرية أو فرقة طائفية أو قبلية، وبقصد السيطرة على «العامة» لإسقاطها في مستنقع «الدوغمائية».  والدوغمائية، لمن لا يعرفها، هي التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. باختصار، هي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك.
وأرى أن قراءة الآخر المختلف لنا – فكريا، دينيا، ثقافيا، سياسيا- هي نقطة مفصلية في تطوير افكارنا وتوجهاتنا.. وقد تخرجنا من وهم قداسة ما نحب ونفضل. بل قد تجعلنا نطور من افكارنا الذاتية أو الجماعية لما هو افضل واحسن.  بل إن الاختلاف الثقافي، وكما وسمه بعض الانثروبولوجيين، هو الذي ساهم –وبصورة سريعة- جدا في تطور حياة الانسان. يذهب جوردن تشايلد، مثلا، إلى أن التقاء بعض الاعراق الانسانية في فلسطين وسيناء للحصول على الغذاء الوفير من هجرة الحيوانات من افريقيا إلى اوروبا وآسيا  والعكس... قد ساهم في تحول الانسان من نمط استهلاك الغذاء الذي يوجد في البيئة إلى نمط انتاج الغذاء، وهو ما ساهم فيما بعد في استقرار تلك الجماعات في سنة 13000 قبل الميلاد، ومع الاستقرار نهضت الحضارة الانسانية بسرعة البرق.
كما لا ننكر ايضا أن انحراف الذهن عن الطرق المعتادة.. قد يفتح المجال لخلق آفاق جديدة غير مطروقة من ذي قبل. ونحن هنا نتحدث عن «الانحرافات الايجابية» التي يكون جل مقصدها البحث عن الافضل للمجتمع والانسان .. وليس ذلك الانحراف السلبي الذي دائما ما يكون مقصده البحث عن «الاثارة» وزعزعة استقرار المجتمع وخلق حالة من التراجع الفكري والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا.  رغم أن بعض الانحرافات السلبية قد تنتج عنها فوائد جمة.
اقرأوا للغير، واطلعوا على ثقافات الغير، واستوعبوا قيم الغير، ثم اخرجوا منها بما هو لصالح الانسان والمجتمع.  أما إن استمررتم في دوامة الانعزال والانغلاق، وفي تصوير الآخر على انه خطر جم... فلا تغضبوا إن اصبحتم في ذيل قائمة الأمم.

أبداً لست ضد استخدام أداة الاستجواب، والتي هي حق اصيل لكل نائب، ولا يمكننا الاعتراض على اداة نص عليها الدستور صراحة، وعلى اهميتها في اصلاح عمل السلطة التنفيذية.  إلا أن هذه الاداة القيمة قد تم «اضعافها» في السنوات العشرة الاخيرة بسبب سوء الاستخدام وبقصد «الابتزاز» من قبل بعض النواب ولتحقيق مصالح خاصة! ولم تكتفِ هذه الفئة من «النواب» في تسطيح أداة الاستجواب، بل انهم تمادوا في «توسيع» دائرة الابتزاز من خلال هذه الاداة الدستورية، إذ أنهم طوعوها لصراعاتهم «النيابية- النيابية» بسبب خصوماتهم الشخصية مع بعضهم البعض، أو لحماية طرف حكومي مقرب من النائب ذاته.
عندما نرى مثل هذا «التعاظم» في سوء استخدام أداة مهمة مثل أداة الاستجواب، وعندما يتحول الدستور والبرلمان إلى «ساحة» للتصرفات النيابية غير الجيدة، فإن توقع حالة «التشريع» المستقبلية لن تبشر بالخير مطلقا.  لقد وجد البرلمان للرقابة والتشريع، وبالتالي فإن تحول هذا المتنفس «السياسي الشعبي» إلى حلبة «مصارعة» للمصالح الشخصية وغير الوطنية، يعد مؤشرا خطيرا للتراجع الشديد في حياتنا السياسية والاقتصادية والخدماتية، وهو وضع يصعب فيه المطالبة بالتعليم الجيد والصحة الجيدة والرخاء الاجتماعي السليم. 
إن الكويت بلد يعتمد اقتصاده وبنسبة 95 % على النفط، وفي ظل تراجع القوة الاقتصادية للنفط، فإن البلد يعيش الآن في «قلق وكأن الريح تحته»!! فالوضع الاقتصادي في الكويت مقلق جدا بسبب الاعتماد الشامل على النفط والذي يعتبر «مصدر ناضب»، في الوقت الذي يفتقر فيه البلد إلى سياسات ناجعة بمقدورها تحقيق بعض  من التنوع في مصادر الدخل! وطالما أن الحكومة مشغولة في «تضبيط» ربعها من نواب وتجار وسياسيين لضمان سلامتها، وطالما أن النواب يتصارعون فيما بينهم ولمصالح شخصية غير دستورية ووطنية، وطالما أن الاستجوابات ذات غايات ذاتية لا علاقة لها بقضايا لا تهم البلاد والعباد، فإن التطورات التنموية ستظل حبيسة الادراج والاحلام، وستستمر حالة البلد في الدوران في حلقة مفرغة دون أي تطور يذكر... إلى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.

الخميس, 12 أكتوير 2017

في فقه التطرف والعنف

التعصب والتطرف هما الوجه الآخر للعنف، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، والوجه الفكري الثقافي هنا هو التعصب، في حين الوجه الاجتماعي والسلوكي هو العنف، فحينما تقمع الآراء وتمارس القوة التعسفية في إقصاء الأفكار والتعبيرات، تنمو حالات العنف والتعصب في المجتمع.  وهنا يدخل الجميع في دوامة العنف والتعصب، بحيث تشمل جميع المجالات الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية.  ناهيك عن دور العنف في التأصيل لثقافة جديدة تقوم على سلوكيات غير مبررة في مجملها، وتدفع الافراد لارتكاب مثل هذه الأفعال مقدمة لهم العديد من المبررات والمسوغات الواهية.
ومن المهم أن ندرك أن التعصب، بكل مفرداته وأشكاله، ليس وليد التعدد الديني أو المذهبي، وإنما هو وليد العملية الإدارية والسياسية التي لم تتعامل مع هذه التعدديات بعقلية حضارية جامعة، وإنما تعاملت معها بعقلية الفرز والتصنيف والتهميش. أيضا علينا أن ندرك أن تشرذم البنية الاجتماعية بمجتمع من المجتمعات لا يفترض فقط وجود تمايز ديني أو عرقي مسبق، وإنما قد يخلق هذا التمايز داخل الدين أو العرق الواحد كما حدث في المسيحية الأوروبية.  بمعنى أن التمايز الديني أو العرقي المسبق هو الذي يولد التفكك الاجتماعي، ويعمل هذا الأخير على بلورة التمايزات وإنعاشها بإعطائها قيماً جديدة وأوزاناً مختلفة يجعلها مجالاً خصباً للصراع والعنف.   أما في المجتمعات العربية، يمكن تفسير ظاهرة العنف على أنها نتاج طبيعي للثقافة التي تنتجها العقلية المتعصبة، والتي تختزل الحق في ذاتها، ولا ترى الأمور إلا بمنظارها أحادي العدسة.  وبالتالي نجد أن خطاب التنازع والتغالب هو الذي ينتج سلوكيات العنف على اختلاف أشكالها ومستوياتها، ما يجعل نشر ثقافة التسامح ونبذ ثقافة التعصب ومنطقها الأحادي أمراً حتمياً وواجباً حضارياً، لأن العنف لا يولد إلا عنفاً مثله أو أعظم منه.
ولكن يجب أن ندرك أن آليات مواجهة هذا الموقف تتطلب إدراك ما يستخدمه المتعصبون لتبرير عنفهم وتطرفهم، لأن المضامين الفكرية هي التي تقف خلف الممارسات العنيفة، وذلك لأنها تحول الأفكار من أداة للتحرير والانعتاق إلى آلية للإقصاء والقمع والاستبداد ما يعيد إنتاج الأزمة التي حاولت إصلاحها أو حلها من قبل. فالأفكار حينما يتم اختزالها في وعاء ضيق يتولد عنها التعصب وتتحول إلى محضن حقيقي لتفريخ العنف بكل أشكاله. أما على المستوى الاجتماعي، فعلينا إزالة المبررات التي تدفع الناس إلى تبني خيارات العنف في العلاقة مع الآخرين بالعمل على تحقيق نسبي للعدالة الاجتماعية؛ لأن التفاوت في المستوى الاجتماعي قد يدفع ببعض المتضررين من هذه الحالة إلى تبني الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة. أما على صعيد الخطاب الايديولوجي فقد أدى تحويل بعض مفرداته إلى عقيدة مغلقة، على شاكلة التعاليم المنزلة أو المعصومة، ما أفضى إلى نوع من الاستعلاء في التعامل مع الآخرين، وهذا النموذج في التفكير المتعصب، هو وليد التعامل المنغلق مع الأفكار والقناعات الذاتية، ما يدفعنا إلى نهج وطريقة جديدة في التعامل مع هذه الأفكار تكون مؤسسة على نسبية الاجتهادات البشرية والتسامح والحوار والانفتاح.

الأحد, 08 أكتوير 2017

شيطنة المرأة!

في الخليج العربي، تعتبر عملية «شيطنة المرأة» استراتيجية مهمة يستخدمها رجال السلطة والدين والمحسوبون عليهم، بقصد السيطرة على «حياة المرأة» وجعل امرها، ومصيرها، مقيدا فيهم وبهم، حتى وإن تعلق الأمر برغبتها في العمل أو الدراسة وغيرها،  ففي كل موضوع يختص بالمرأة، سواء في الاحوال الشخصية أو المساواة أو التمكين أو حرية الاختيار والتصرف، تخرج لنا اصوات هنا وهناك ترعد وتزبد وتحذر من «ضياع المجتمع وتغريبه»،  فالطلاق والتفكك الاسري وغيرهما –وكما يقول المرجفون- هي نتاج أي تطور يحدث على «وضع المرأة»، وكأن مجتمعاتنا لم تشهد في سالف ايامها حالات طلاق أو تفكك اسري.  ولكن قد يجيبك احدهم، وكأنه «صايد المسألة»، بأن هذا النوع من الممانعة يدخل في صلب موضوع «درء المفاسد»، وردنا عليه كالتالي: لماذا لا تخرج لنا هذه الممانعة في قضايا اخرى كالفساد والسرقات والمتاجرة بالمخدرات والخمور وغيرها، والتي ابطالها دائما هم «الذكور»؟
إن تمرير معاملة فساد ينجزها مسؤول ما، ليعد اخطر واكثر ضررا، من قيادة المرأة أو تعليمها أو عملها أو مشاركتها في الانتخابات  وهلم جرا.  وأجزم بأن «جيش اعداء المرأة»، يعلمون ذلك جيدا، ولكن القضية بالطبع ليس لها علاقة بأي خطر وهمي يذكر هنا وهناك.  إن «شيطنة المرأة» هدفها فقط تغييب دور المرأة، وإضعاف حالتها الذهنية والمادية، وتجفيف منابع الوعي لديها، من اجل «السيطرة» عليها وتوجيهها حسب ما يوافق رغباتهم ونزعاتهم، فالمرأة لديهم فقط «متاع»، وعليها ألا تخرج من هذه الدائرة! بالطبع، هذا الأمر ليس له علاقة بديننا الاسلامي الحنيف الذي أنصف المرأة وجعل منها عنصرا مهماً في بناء المجتمع، ولكنه نتاج اختلاط «نزعات ذكورية» و«عادات اجتماعية بالية» صاغت، وبكل خبث، مسائل الاختلالات الاخلاقية من خلال ربطها بدرجة دخول أو خروج المرأة من «دائرة طاعة الرجل»! هذا فقط ما يريدونه من عملية «شيطنة المرأة» التي يعاد انتاجها في الوعي الاجتماعي بين الفينة والاخرى، وهي مسألة لا يجب علينا ابدا أن نبرئ السلطة السياسية الرسمية منها، والله من وراء القصد.

الخميس, 05 أكتوير 2017

كنيسة وخمارة!!

في الامس.. أرسل أحد الاصدقاء لي هذه القصة: «في عام 2007، وفي قرية صغيرة «Mt.Vernon» في ولاية تكساس الأميركيّة، قرَّر رجلُ أعمال أن يفتح خمارةً بجانب كنيسة معمدانية «Baptist»..  وقد بدأ رُوَّادُ الكنيسة حملةً ضدَّ الخمارة وصاحبِها بالرَّسائل إلى البلدية لمنع اقامتها، ولكن رد البلدية كان يؤكد على احقية صاحب الارض في بناء حانته.  ثم قرر رواد الكنيسة الدُّعاء على الخمَّارة كلَّ ليلةٍ في الكنيسة.
تقَدَّم العمل في بناء الخمَّارة. وعندما أوشكت أعمال البناء على الانتهاء، وكانت الحانة على وشك أن تفتح أبوابهَا، بَرِقَ البرق، وزمجر الرّعد، وضربتْ الصاعقةُ مبنى الحانة، فدكّته دكّا.
احتفل أعضاءُ الكنيسة بانتصار الربّ لهم، وإجابتِه لدعائهم على الخمّارة.
أمّا صاحب الخمَّارة، فرفع دعوى قضائية ضدَّ الكنيسة وأعضائها، وطالب بـمليوني دولار على أساس أن الكنيسة بدعائها كانت مسؤولةً عنْ زوال استثمَاِره بوسائل مباشرة أو غير مباشرة.
في المحكمة، أنكرتْ الكنيسةُ بشدَّة كلَّ مسؤولية، ونفَتْ كلَّ علاقةٍ بين صلواتها وزوال الحانة، مستدِلّةً بدراسة للأستاذ بينسون من جامعة هارفارد التي أكّدت ْ أنّه لا تأثير للصّلاة والدّعاء على مُجْرياتِ أُمور الدُّنيا.  نظرَ القاضي في الأمر، وأثناء التصريح بالحكم، قال: لا أعرف كيْفَ سأحْكُمُ فى هذه القضية، ولكن يبدو من الأوراق أنَّ لديْنا خَمَّارًا يؤمن بقوَّة الصّلاة والدُّعاء، ولديْنا مجْمعًا كنيسياً بأكمله لا يُؤْمن به».
انتهت القصة المرسلة لي.. وفهمتها.. وأتمنى أن تفهموها، والله من وراء القصد!

في العام 1983 حدثنا احد اساتذتنا المصريين أن سبب هبوط التعليم في مصر يعود إلى موافقة الحكومة آنذاك على عرض مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وأن هذه المسرحية كانت آخر مسمار يدق في نعش التعليم «الجيد» في دولة مصر! ثم بدأنا نقرأ بعض التحليلات من قبل صحافيين مصريين عن خطورة هذه المسرحية على تردي وضع التعليم في مصر، ثم – اخيرا- وقبل اسابيع عدة، خرج لنا مثقف خليجي يشير إلى نفس الأمر من خلال سنابه الخاص.
حقيقة، لا اعلم هل هذا التحليل نابع من قراءة موضوعية لظاهرة تردي التعليم في مصر خاصة والعالم العربي عامة، أم ان المسألة لا تعدو كونها اصبحت موضة؟ فكل حديث عن ترد للعلم والتعليم في مصر والعالم العربي.. علينا باستحضار مسرحية «مدرسة المشاغبين».. وكفى الله المؤمنين شر التفكير والتحليل العميق الصحي الرزين!!
بل إن هذا القول به خطورة اخرى تتمثل في أن الدولة المصرية بصفة خاصة، والعربية بصفة عامة، هي دولة هشة ورديئة جدا ولا تستحق الحياة ما دام عمل مسرحي بسيط ومتواضع بشكله ونصه وتقنياته كان قادرا على تحطيم وتهشيم «العلم» وتاريخه في مصر والذي يعود لأكثر من 7000 عام!! وهو قول أشك فيه تماما.. لأن تردي التعليم في العالم العربي كان نتيجة حتمية للتغيرات السياسية والاقتصادية التي حدثت في المنطقة، والتي تم من خلالها عسكرة الدول الرائدة معرفيا في المنطقة مثل مصر وسوريا والعراق.  لقد كانت المدارس الثلاث «المصرية، السورية، العراقية»، مع الاضافة المتواضعة التي قدمتها لبنان والمهجرون الفلسطينيون، منارة علم تاريخيا، وساهمت – وبشكل مؤثر – في اشاعة العلم في العالم العربي قاطبة.  كما كان لهذه الدول فضل في تطوير العلم وتقدمه في هذه المنطقة.
ولكن عندما تحول الاقتصاد إلى اقتصاد مؤمم وتحت السيطرة المطلقة، في الوقت الذي تم فيه عسكرة السلطة والانسان والمجتمع، فإن تأثيراتها انعكست، وقبل كل شيء، على المناهج والنهج التربوي الذي عزز من خضوع الانسان في مقابل تهميش حريته وإبداعه. بل إن الاصوات التي حاولت أن تنادي بتطوير العلم خارج منظومة نهج السلطة المسيطرة.. سرعان ما تم القضاء عليها وبأبشع اشكال التنكيل والتعذيب! ولكن عندما كانت، مصر وسوريا والعراق، تخضع للاقتصاد الحر ولسيطرة الحكومات المدنية.. كان التعليم مزدهرا وفائقا.. وقادرا على خلق الانسان المثقف والمبدع والخلاق.
«مدرسة المشاغبين» مجرد عمل مسرحي.. أما سقوط منارة العلم والتعليم فهو بسبب عمل ممنهج قاده العسكر في الدول الثلاث آنفة الذكر.. والذي وافقتهم عليه بقية الدول العربية – من ملكيات ومشايخ وغيرها - ومن ثم بدأت قصة هدم الانسان العربي تتسع رقعتها اكثر لتمتد من الخليج إلى المحيط!

الخميس, 21 سبتمبر 2017

أزمة التعليم في الكويت

هل فشلت وزارة التربية وبإداراتها المتعاقبة في العشرين سنة الاخيرة في صنع الانسان المتعلم الواعي المدرك، والذي بمقدوره تقديم اضافة ما لمجتمعه؟ هذا السؤال مفصلي وهام في تاريخ تطور الانسان الكويتي، وخاصة النشء الذي اصبح غريبا في ادوات تفكيره وطرق معاشه وطبيعة توجهاته، ناهيك عن التراجع الشديد للعادات والقيم والسلوكيات ذات النزعة العقلانية في مقابل التقدم الطاغي للماديات التي اصبحت تشكل الهاجس الاكبر للافراد.  ولكن، وهذا هو سؤال المليون، كيف يمكن لنا، وفي ظل الاوضاع القيمية الاجتماعية ذات القيمة الضعيفة جدا، أن نخلق نظاما تربويا قادرا على خلق الانسان النشط ذهنيا ومهنيا، والذي بمقدور خريجيه أن يكونوا اكثر ابداعا في بيئتهم المحلية؟
طبعا، وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل المهم، علينا أن نعترف بأن أي تطور في المجال التربوي لا يعد امرا مقصورا فقط على وزارة التربية، وإنما من المهم أن تكون مسألة تطوير التعليم – وبكافة مراحله - قضية وطنية يشارك بها الجميع حتى يتحقق النجاح.  إن مشاركة الاضلاع المتعددة للمجتمع «المدرسة، الاسرة، الاعلام، السلطة التنفيذية، البرلمان، القطاع الخاص، منظمات المجتمع المدني, الفرد» ، تعتبر مسألة في غاية الاهمية، وتجاهل أي طرف فيها من شأنه أن يضع العصا في عجلة التطوير وتنفيذه على ارض الواقع.
أما فيما يختص بالتساؤل المطروح أعلاه والذي نبحث فيه عن نظام تربوي «مدرسي» من شأنه أن يغير الوضع البائس في حالة الفرد والمجتمع .. فهو يتمثل – وبالدرجة الاولى- في تغيير مفهوم «التعليم» التقليدي الذي لم يعد صالحا لهذا الزمن: زمن الثورة التكنولوجية المعاصرة والعولمة وما ارتبط بهما من اقتصادات حديثة ومهن لم تكن معروفة من قبل!
نحن بحاجة إلى «التعليم التحفيزي» المستند إلى «المثل العليا» والقائم على المبادئ الانسانية المتعارف عليها، ويلعب مع مرور الوقت دورا مؤثرا في خلق تنشئة تربوية قادرة على غرس الاساسيات الضرورية لتطوير القدرات الذهنية للفرد في مجالات متعددة سواء كانت علمية أو أدبية، كما تمنحه القدرة ليس فقط على «التحليل» بل في بناء حياته المهنية التي تتماشى وطبيعة نزعاته النفسية وقدراته الذهنية.  هذا التعليم بالتأكيد يختلف تماما عن التعليم التقليدي الذي يتلقاه اطفالنا في مدارس الحكومة أو القطاع الخاص!! ولنا وقفة مع «التعليم التحفيزي» في المستقبل القريب بإذن الله.

الأحد, 17 سبتمبر 2017

سمو الشيخ ناصر المحمد!

أسوأ من التعدي الجسدي هو التعدي اللفظي، والذي يرى بعض علماء النفس انه اشد خطورة من غيره، وما يؤلمني أكثر  عندما يكون ذلك التعدي اللفظي مرتبطا بإشاعة مغرضة هدفها إلحاق الضرر بطرف ما أو بأفراد اسرته أو محبيه. ولأنها عيب وليست «مرجلة».. فإنني أرى شخصيا أن التعدي على أي شخص، سواء كان صاحب مقام أو رجل شارع، ومن خلال الاشاعة المضرة..  أمر غير اخلاقي البتة، ولا يرتبط أبدا بقيمنا الاجتماعية التي تربينا عليها، ولا من عقيدتنا السمحة التي رفعت من قيمة «المحبة» ضد ما سواها من كراهية أو بغضاء.
وفي هذا المقام، لا أدري ماذا يريد بعض الاشخاص من بث الاشاعات المغرضة ضد سمو الشيخ ناصر المحمد؟ ففي صيف العام الماضي اشاعوا خبر وفاته بحادث طائرة، وهذا الصيف اشاعوا خبر وفاته بحادث سيارة، وما بين تلك الاشاعة والاخرى، يزداد سمو الشيخ ناصر محبة وتقديرا عند أهل الكويت.. أما «خفافيش الظلام» فإنها تزداد كرها وبغضا بسبب اسلوبها المشين والذي لم يعهده الكويتيون من قبل! لقد اثبتت ردود معظم أهل الكويت على إشاعة «حادث سيارة» سمو الشيخ ناصر المحمد، انهم سئموا من تعاظم حالة «الفجور في الخصومة» سواء مع سمو الشيخ ناصر أو غيره، في الوقت الذي لا يعارض أهل الكويت حالات الخصومة القائمة على الشرف والنزاهة، وهي الخصومة التي نشتاق لها ونتمناها في واقعنا الاجتماعي والسياسي.
لست هنا بصدد الدفاع عن «بوصباح»، ذلك الإنسان الذي منحه الله طيبة القلب التي قلما تجد مثلها في عالم اليوم، وصاحب المواقف الإنسانية التي طالت البعيد قبل القريب وشملت جميع فئات الشعب الكويتي دون استثناء. كما لا ننكر عمله، ومنذ صغر سنه، في المحافل الدولية حاملا الكويت في قلبه وهدفه إعلاء سمعتها وسمعة شعبها الكريم. وما هذا الاطراء إلا شيء قليل بحق سمو الشيخ ناصر المحمد لانه يستحق منا دوام الثناء والاطراء.. ومن يعرف «ابا صباح» يعلم جيدا صحة ما ذهبنا إليه في هذا المقام.
نعود لموضوعنا الرئيسي وهو محاولة النيل من سمو الشيخ ناصر المحمد في كل موسم، ومن خلال اشاعات مغرضة لا تنم إلا عن قلوب يملؤها السواد.. فالمسلم لا يضمر الشر لأخيه المسلم مهما كان الخلاف بينهما. فلقد روي عن السلف أن اسوأ المسلمين هو من تمنى الشر لإخوته المسلمين والفرح بما يصيبهم من سوء. وذهبوا إلى أن هذا السلوك عبارة عن علامة ظاهرة على من في قلبه غل وحقد فهو لا يحب الخير لأخيه المسلم ويحزن إذا رأى توسعة من الله على عبد من عباده أو رأى أحد الناس يرتفع في منزلته أو يحبه الناس ويلتفون حوله وهذا بسبب ما في قلبه من بغضاء وشحناء وهذه العلامة تضعف من إيمان العبد كما قال صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
نسأل الله دوام الصحة والعافية لسمو الشيخ ناصر المحمد، ونقول له ان قلوب معظم أهل الكويت آلمتها الاشاعة السيئة وهي تدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظك ويرعاك، فأنت ابن الكويت التي أحبها وأخلص لها في اعماله التي لم تنقطع أبدا. كما نؤكد على أن «الاشاعات المغرضة» ضد أي إنسان كان.. أمر يعكس «سواد» وجه وقلب.. وهو سلوك «ليس منا» نحن المسلمين عامة والكويتيين خاصة.

الخميس, 31 أغسطس 2017

مرض الاستهلاك «4 - 5»

تتفق معظم التحليلات التي تتناول قضية الثقافة الاستهلاكية على أن تلك الثقافة قد تم الترويج والدعاية لها كثيراً تحت دعوى حق الجماهير في الحصول على الثقافة المبسطة، ولقد قدمت الثقافة الاستهلاكية بهدف اقناع الطبقات الشعبية لكنها على الصعيد الواقعي لم تكن سوى تحويل الثقافة إلى سلعة للاستهلاك الجماهيري ومن ثم لم يكن بامكان هذه العملية ان تأخذ مداها الشمولي والكوني إلا في اطار نهضة صناعية حديثة مهدت الطريق لمجتمعات ما بعد التحديث الراهنة فالثقافة الاستهلاكية هي بالدرجة الأولى ثقافة صناعية أو انها صناعة ثقافية معدة للاستهلاك الجماهيري.
وانطلاقاً من ذلك فان بعض المحللين يركزون على ابراز موقع الثقافة الاستهلاكية ودورها في تقسيم المجتمعات الحديثة والمعاصرة الى مجتمعات منتجة لتلك الثقافة واخرى مستهلكة لها، وهذا يعني ان المجتمعات التي لم تصل بعد إلى مستوى ودرجة التحديث الصناعي الشامل تظل عاجزة عن انتاج ثقافة شمولية ذات تأثير كوني, فضلاً عن عجزها عن حماية نفسها من تأثير الثقافة الاستهلاكية العالمية التي تنتجها شركات ومؤسسات ضخمة قادرة على اختراق الحدود الوطنية والقومية أي الشركات عابرة القارات أو متعددة الجنسيات.
ومن جانب آخر فإنه ينبغي أن نضع في الاعتبار أن منطقة الخليج العربي ترتبط بمراكز الانتاج الرأسمالية العالمية ارتباطا وثيقاً خصوصاً على المستوى الاقتصادي وبهذه العلاقة يتحدد وضع المنطقة بوصفها مصدراً لأهم مقومات الطاقة في العصر الحديث وهو النفط من ناحية وبوصفها سوقاً رائجاً لتصريف المنتجات المصنعة في تلك المراكز الانتاجية الراسمالية من ناحية اخرى ولا شك في ان هذه العلاقة تمثل بعدا ينبغي ان يوضع في الحسبان ليس فقط عند دراسة السلوك الاستهلاكي ولكن ايضاً عند دراسة العديد من الظواهر والمشكلات الاجتماعية.

الصفحة 1 من 19