جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

كل إنسان يتمنى أن يعود الماضي، خاصة إذا كان هذا الماضي يحمل في ثناياه حبا لم تزعزعه الليالي والأيام، ولا يتمنى مثل هذه الأمنية إلا من باعدت الظروف والأحكام بينه وبين من أحب، وهي حالة مألوفة وغير مستغربة بين أهل الحب، والجميل في بيت الشعر هذا استدرار العطف دون تكلف وبسلاسة متناهية وعبارات واضحة يغلب عليها الأدب الجم والحب الصادق.
العباس بن الأحنف يسأل محبوبته فوز أن تعود علاقة الحب بينهما، ولم يسأل العباس هذا السؤال إلا بعد أن اختلفت هذه العلاقة عما كانت عليه في الصغر، فحركه الحب الشديد لفوز وطلب منها هذا الطلب، وعندما تتأمل بيته هذا تلاحظ شوقه وحنينه إلى تلك الأيام الخوالي،والعباس بن الأحنف من مشاهير شعراء صدر الدولة العباسية، عرف بشعر الغزل الذي صاغه صياغة راقية بلا تكلف، حتى ان شعره يكاد يذوب رقة، وقد قال البحتري الشاعر ان العباس بن الأحنف أغزل الناس، وأشاد به ابن المبرد في كتابه الروضة وفضله على أقرانه، ناهيك بابن المبرد مثنياً،  ومما قاله فيه: كان العباس بن الأحنف من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلا ولم يكن فاسقاً، ظاهر النعمة، ملوكي المذهب، شديد الترف، وهذا بين في شعره، قصده الغزل، وشغله النسب، حلوا مقبولا غزير الفكر واسع الكلام، كثير التصرف.
أيها السادة يقول العباس بن الأحنف:
غضب الحبيب فهاج لي استعبار
والله لي مما احاذر جار
كنا نغايظ بالوصال معاشراً
لهم الغداة بصرمنا استبشار
يا أيها الرجل المعذب قلبه
أقصر فإن شفاءك الإقصار
نزف البكاء دموع عينك فاستعر
عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها؟
أرأيت عينا للبكاء تعار
ويقول أيضاً:
وإذا نظرت إلى المحب عرفته
وبدت عليه من الهوى آثار
قل ما بدا لك أن تقول فربما
ساق البلاء إلى الفتى المقدار
ومن أبيات العباس المغناة قوله:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى
ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
عرف هذا الشاعر أنه لم يتكسب في شعره، وآخر ما سمع منه أبياته التي قالها وهو يجود بنفسه بحسب رواية الأصمعي، والتي يقول فيها:
يا بعيد الدار عن وطنه
مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النحيب به
زادت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجا
طائراً يبكي على فننه
شاقه ما شاقني فبكى
كلنا يبكي على سكنه
توفي العباس بن الأحنف سنة 192 هـ في خلافة هارون الرشيد، وصلى عليه عبدالله المأمون ولم يجزم أحد بسنة ولادته.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الأربعاء, 13 ديسمبر 2017

ناصر صباح الأحمد «مستقبل أمة»

الشيخ ناصر صباح الأحمد هو , هو, لم يتغير في يوم من الأيام تبوأ اليوم منصباً مهماً في الدولة وهو النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير للدفاع ومع ذلك سيجده المتابع كما كان عليه ذلك المواطن المحب لشعبه ووطنه.
ولد هذا الرجل من رحم بيت الحكم وكان ومازال قريباً من اصحاب القرار ولا عجب من تنامي شعبيته بشكل متسارع, فقاعدته قوية وتواصله مع الناس منذ نشأته تجده مهنئاً كما تجده مواسياً, وعهدته ومازال محط رحال الناس قديماً وحاضراً, بابه مفتوح وقلبه ينبض بحب الكويت وأهلها أعرفه تمام المعرفة, ذو شخصية محبوبة, صاحب قرار, لديه تطلعات وآمال تصب كلها في صالح هذا الوطن العزيز, يرى الأمور بعين ثاقبة وبصيرة نافذة ما لا يراه غيره, به من الصفات الكثيرة منها دماثة الأخلاق ورحابة الصدر والجود, والقبول بالرأي والرأي الآخر, وقد آن لهذا الفارس أن يمتطي صهوة جواده ويتقدم في خدمة المولى عز وجل ووطنه وأميره,كما فعل أسلافه الغر الميامين, أولئك الرجال الذين ينطبق عليهم قول الشاعر عامر بن الظرب «حكيم العرب»:
أُولَئِكَ  قَوْمٌ   شَيَّدَ   اللَّهُ   فَخْرَهُمْ       
فَمَا فَوْقَهُ فَخْرٌ  وَإِنْ  عَظُمَ  الفَخْرُ
أُنَاسٌ إِذَا  مَا  الدَّهْرُ  أَظْلَمَ  وَجْهُهُ       
فَأَيْدِيهِمُ   بِيضٌ   وَأَوْجُهُهُمْ   زُهْرُ
يَصُونُونَ  أَحْسَابًا   وَمَجْدًا   مُؤَثَّلاً       
بِبَذْلِ  أَكُفٍّ  دُونَهَا  المُزْنُ  وَالبَحْرُ
سَمَوْا فِي المَعَالِي  رُتْبَةً  فَوْقَ  رُتْبَةٍ      
أَحَلَّتْهُمُ   حَيْثُ   النَّعَائِمُ    وَالنَّسْرُ
أَضَاءَتْ لَهُمْ  أَحْسَابُهُمْ  فَتَضَاءَلَتْ       
لِنُورِهِمُ   الشَّمْسُ   المُنِيرَةُ   وَالبَدْرُ
فَلَوْ لامَسَ الصَّخْرَ  الأَصَمَّ  أَكُفُّهُمْ       
لَفَاضَ يَنَابِيعَ النَّدَى  ذَلْكَ  الصَّخْرُ
شَكَرْتُ  لَهُمْ   آلاءَهُمْ   وَبَلاءَهُمْ       
وَمَا ضَاعَ  مَعْرُوفٌ  يُكَافِئُهُ  شُكْرُ
وَلَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ البَسِيطَةِ مِنْهُمُ       
لِمُخْتَبِطٍ  عَافٍ  لَمَا  عُرِفَ  الفَقْرُ
ولا بد أن يعرف الجميع ان الشيخ ناصر صباح الأحمد طالب متفوق تخرج في مدرسة عريقة ذات أساس صلب, متينة الأركان, مكتوب على جدارها «كلنا للكويت والكويت لنا», إنها مدرسة صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه التي خرجت ثلة من الرجال الأخيار كبار أبناء الكويت.
أيها السادة, لا تسعنا هذه السطور المبعثرة هنا وهناك وأعترف بأنني لا استطيع إيفاء هذا الرجل حقه, فهو أعلى عيناً مما كتبت.
أسأل الله أن يوفق الشيخ ناصر صباح الأحمد وأن يسدد خطاه في خدمة الله ثم الوطن والأمير.
دمتم سالمين, في أمان الله

ورد ضمن هذا البيت الرائع الشوق والصبابة، فما الشوق وما الصبابة؟ الشوق أيها السادة اسم مصدر «شاق» والجمع «أشواق» والمعنى: نزوع النفس الى الشيء وتعلقها به، قال ابن الأعرابي: الشوق حركة الهوى، وأنت لا تشتاق إلا لمن تحب، اذا فالشوق جزء أصيل من أجزاء الحب، يقول سحيم عبد بني الحسحاس:
أشوقا ولم يمض لي غير ليلة
فكيف اذا خبّ المطي بنا عشرا
أما الصبابة فمعناها قريب جدا من الشوق، فاذا صب المرء الى حبيبته رق وأحبها حبا شديدا، اذا الصبابة: الشوق ورقته، وهذا البيت عنوان الموضوع يدل دلالة واضحة على ذكاء شاعره حيث جمع الشوق والصبابة معا في بيت واحد، والحقيقة ان قلة قليلة من الناس يعرفون قائله، والكثير يعزوه بالخطأ لغير قائله، رغم كثرة المصادر، أيها السادة صاحب هذا البيت «الأبله العراقي» وهذا لقب له، اما اسمه فهو: محمد بن بختيار بن عبدالله، الشاعر المشهور، ذكره العماد في خريدته فقال: هو شاب ظريف يتزيا بزي الأجناد، حلو صناعة الشعر، رقيق الأسلوب، رائق البراعة، انشدني لنفسه سنة خمس وخمسين وخمسمائة للهجرة في بغداد:
زار من أحيا بزورته
والدجا في لون طرته
قمر يثني معاطفه
بانة في ثني بردته
بت أستجلي المدام على
غرة الواشي وغرته
ولد هذا الشاعر سنة 486هـ، في خلافة المقتدي بأمر الله أبوالقاسم عبدالله بن محمد بن عبدالله «467-487هـ» الخليفة السابع والعشرين من بني العباس رضي الله عنه، كان هذا الشاعر على درجة كبيرة من الذكاء، لذلك قيل له الأبله بالضد، كما كان شعره رائجا موافقا للغناء، ومن غرر قصائده قوله:
دعني أكابد لوعتي وأعاني
أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرني
من بعد ما اخذ الغرام عناني
يصمي قلوب العاشقين بمقلة
طرف السنان وطرفها سيان
يا أهل نعمان على وجناتكم
تعزى الشقائق لا إلى النعمان
(يتبع)
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

نكمل ما بدأناه ودعونا نتعرف على هذا الشاعر، هو حمزة بن بيض الحنفي، شاعر اموي العصر من اهل الكوفة، كان خليعا ماجنا من فحول طبقته انقطع الى المهلب بن ابي صفرة وولده اكتسب بالشعر مالا عظيما قال المفضل: أخذ حمزة بن بيض بالشعر ألف ألف درهم، دخل يوما على سليمان بن عبدالملك فقال:
رأيتك في المنام شننت خزا
علي بنفسجا وقضيت ديني
فصدق يا فدتك النفس رؤيا
رأتها في المنام لديك عيني
فقال سليمان: يا غلام، أدخله خزانة الكسوة واشنن عليه كل ثوب خز بنفسجي فيها فخرج كأنه مشجب ثم قال له: كم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها والمشجب ما تعلق عليه الثياب وروى المدائني ان حمزة بن بيض شاتم حماد بن الزبرقان وكان من ظرفاء الكوفة، وكلاهما صاحب شراب وكان حماد يتهم بالزندقة فمشى بينهما الرجال حتى اصطلحا فدخلا يوما على بعض ولاة الكوفة، فقال لابن بيض: أراك قد صالحت حمادا، فقال: نعم اصلحك الله، على أن لا آمره بالصلاة ولا ينهاني عنها!
وخرج حمزة بن بيض يريد سفرا، واضطره الليل الى قرية عامرة كثيرة الاهل والمواشي من الشاء والبقر، كثيرة الزرع، فلم يصنعوا به خيرا، فغدا عليهم وقال:
لعن الاله قرية يممتها
فأضافني ليلا اليها المغرب
الزارعين وليس لي زرع بها
والحالبين وليس لي ما أحلب
فلعل طاعونا يصيب علوجها
ويصيب ساكنها الزمان فتخرب
ولعل ذاك الزرع يؤذي اهله
ولعل ذاك الشاء يوما يخرب
فلم تمر سنة بتلك القرية حتى أصابها الطاعون فأباد اهلها، وخربت القرية، فمر بها ابن بيض هو وصاحب له فقال لصاحبه: زعمت أني لا اعطى منيتي!! قال:
وأبيك لقد اعطيتها فلو كنت تمنيت الجنة كان خيرا لك!! قال حمزة: أنا أعلم بنفسي، لا اتمنى ما لست له بأهل ولكني أرجو رحمة ربي عز وجل.
واختصم يوما هو وابو الجون السحيمي الى المهاجر بن عبدالله الكلابي والى اليمامة فقال حمزة:
غمضت في حاجة كانت تؤرقني...
لولا الذي قلت فيها قل تغميضي
فقال المهاجر: وما الذي قلت لك؟ قال:
حلفت بالله لي أن سوف تنصفني
فساغ في الحلق ريقي بعد تجريضي
قال: وأنا أحلف لانصفنك فقال حمزة:
سل هؤلاء الى ماذا شهادتهم
أم كيف أنت واصحاب المعاريض؟
قال: أوجعهم ضربا قال:
وسل سحيما إذا وافاك اجمعهم
هل كان باشر حوض قبل تحويضي
فقضى الوالي لحمزة فقال السحيمي يهجوه
أنت ابن بيض لعمري لست أنكره
حقا يقينا ولكن من أبوبيض؟
فصار هذا البيت مثلا يعير به وفي النهاية لم يؤكد أحد السنة التي توفى فيها بالضبط فهناك من ذكر انها 117 هـ والبعض الآخر قال 126 هـ والله أعلم.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

مادام المرء على ظهر هذه البسيطة فحاجاته لا تنقضي، حتى أنه يموت وفي نفسه حاجة، ولله الصلتان العبدي حيث يقول:
نروح ونغدو لحاجاتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته
وتبقى له حاجة ما بقي
وفي هذا المعنى يقول الأمير مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: «لا تطلبن حاجتك إلى كذاب فإنه يقربها وهي بعيد، ويبعدها وهي قريب، ولا إلى أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا إلى رجل عند من تسأله الحاجة مأكلة، لأنه لا يؤثرك على نفسه».
يقول أبو العون:
ولست بسائل الأعراب شيئاً
حمدت الله إذ لم يأكلوني
وسؤال الناس مر ولا يخلو من الذل خاصة سؤال النذل اللئيم، وقد وضح لنا هذا الأمر الأفوه الأودي حيث يقول:
وذقت مرارة الأشياء طرا
فما طعم أمر من السؤال
روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل الناس شيئاً» رواه أبو داود، وخير ما ذكر في هذا الباب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عمه حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»، رواه الترمذي.
وأذهب الآن إلى بيت الشعر:
«أتيناك في حاجة فاقضها...
وقل مرحباً يجب المرحبُ»
فلهذا البيت حكاية رواها أبو الحسن الشيباني عن شعيب بن صفوان أنه قال: دخل حمزة بن بيض الحنفي على الأمير مخلد بن يزيد بن المهلب وهو في السجن، فقال له:
أتيناك في حاجة فاقضها
وقل مرحباً يجب المرحبُ
فقال له مخلد: مرحبا، فقال:
ولا تكلنا إلى معشر
متى يعدوا عدة يكذبوا
فإنك في الفرع من أسرة
لهم خضع الشرق والمغرب
وفي أدب منهم ما نشأت
فنعم لعمرك ما أدبوا
بلغت لعشر مضت من سنيك
ما بلغ السيد الأشيب
فهمك فيها جسام الأمور
وهم لداتك أن يلعبوا
وجدت وقلت ألا سائل
فيسأل أو راغب يرغب
فمنك العطية للسائلين
وممن ببابك أن يطلبوا
قال: فأمر له بمئة ألف درهم.
«يتبع»
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

اختار ابن الوردي الوعظ والنصح ونشر العلم طريقا له، من خلال قصائده التي لاقت رواجاً في وقته، ولابن الوردي شعر ونثر كثير وهو مدون، دعا من خلاله إلى إصلاح المجتمع ونبذ المفاسد مثلما هو واضح في وصيته، ألف عشرات الكتب النافعة منها: تتمة المختصر في تاريخ البشر، خريدة العجائب وفريدة الغرائب، تذكرة الغريب في النحو، إبكار الأفكار في مشكل الأخبار في الشعر والأدب، بهجة الهادي في الفقه وغيرها، وفي بلدته التي أحبها معرة النعمان يقول:
لي في المعرة شمس
رضاه عين مرادي
فلا تذموه إني
أدرى بشمس بلادي
وفيها يقول أيضاً:
قف وقفة المتألم المتأمل
بمعرّة النعمان وانظر بي ولي
أقـسمت لو نطقت لأبدت شوقها
نحوي  كشوقي نحوها وترقّ لي
توفي ابن الوردي بالطاعون في حلب سنة 749 هـ، وكان سلطان المسلمين الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، والآن إليكم بعض أبيات نصيحة ابن الوردي:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل
وقل الفصل وجانب مَن هزل
ودع الذكر لزيام الصبا
فلأيام الصبا نجم أقل
واتـرك الـغادة لا تـحفل بـها
تـمس  فـي عـز رفيع وتُجل
واهـجر  الـخمرة إن كنت فتى
كـيف يسعى في جنون مَن عقل
واتــق  الله فـتـقوى الله مـا
جـاورت  قـلب امرئ إلا وصل
كـتب  الـموت على الخلق فكم
فـل  مـن جيش وأفنى من دول
أيــن نـمرود وكـنعان ومَـن
مـلك  الأرض وولّـى وعـزل
أيـن أربـاب الحجى أهل النهى
أيـن أهـل الـعلم والقوم الأول
سـيـعـيد الله كــلا مـنـهم
وسـيجزي  فـاعلاً مـا قد فعل
اطـلب الـعلم ولا تـكسل فـما
أبـعد الـخير عـلى أهل الكسل
واهـجر  الـنوم وحـصّله فمن
يـعرف الـمطلوب يحقر ما بذل
لا تـقـل قـد ذهـبت أربـابه
كـلّ من سار على الدرب وصل
فـي ازديـاد الـعلم ارغام العدا
وجـمال  الـعلم إصـلاح العمل
إي بني اسمع وصايا جمعت
حكما خصت بها خير الملل
اطرح الدنيا فمن عاداتها
تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها
عيشة الجاهل فيها أو أقل
كـم شـجاع لـم ينل فيها المنى
وجـبان  نـال غـايات الامـل
قـيـمة الإنـسان مـا يُـحسنه
أكـثر  الانـسان مـنه أو أقـل
غير أني أحمد الله على
نسبي إذ بأبي بكر اتصل
فـاتـرك الـحيلة فـيها واتكل
إنـما  الـحيلة فـي ترك الحيل
لا  تـقل أصـلي وفـصلي أبداً
إنـما  أصـل الفتى ما قد حصل
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

هذا بيت نصيحة من قبل به فبها ونعم، ومن لم يقبل به فهو حر، فالقبول والرفض لا يأتي بالغرض، كل له قناعاته والحساب بيد رب الأرباب، القاضي الأديب الشاعر ابن الوردي، رحمه الله تعالى، صاحب هذا البيت الذي يسدي النصيحة من خلاله لابنه ضمن واحد وثمانين بيتاً سميت نصيحة ابن الوردي، وهي صالحة لكل زمان، هو يطلب من ابنه الابتعاد عن اللهو والتغني بالجمال ووصف النساء، كما يطلب منه أن يكون الحق طريقه ومنهجه إذا تحدث، وألا يماشي من جعل المزح وقلة الصدق طريقاً له، والبيت كما هو واضح مأخوذ من قول المولى، عز وجل: «إنه لقول فصل وما هو بالهزل» الطارق 13، 14 هذا ما أراد أن يقوله هذا الشاعر بفهمي المتواضع، وابن الوردي قرشي القبيلة، جده الأكبر: عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، واسمه: عمر بن مظفر بن عمر بن محمد، أبوحفص زين الدين، ولد سنة 691 هـ في معرة النعمان غرب مدينة حلب وكان سلطان المسلمين: الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون، وهناك من يذكر أن مولده سنة 689 هـ والأول أشهر، ويقال له: البكري، المعري. تميز ابن الوردي بالفقه والأدب والنحو والشعر، وكانت نشأته بمعرة النعمان، ودرس العلم على شيوخها، ثم توجه إلى حلب وجلس في حلقات علمائها، وكان يتردد في طلب العلم بين دمشق وحماة والقاهرة، حتى برع في الفقه والأدب والأحكام والنحو، كما شارك في علوم أخرى فنال شهرة واسعة وأصبح من كبار العلماء، فتوافد عليه الطلبة من كل حدب وصوب ينهلون من علمه، ثم اشتغل قاضياً مع استمراره في التدريس، فناب عن القضاء في حلب، وتولى قضاء بلدان كثيرة، ثم توجه إلى دمشق فتقلب في وظائفها إلى أن تولى القضاء فيها، ولما أتعبه القضاء تركه وبنى مدرسة في معرة النعمان مسقط رأسه، وتفرغ للتدريس وتصنيف الكتب والإفادة، كان ابن الوردي سامي الأخلاق ورعا تقيا عزيز النفس إلى النهاية، لا تهمه الدنيا، لم يتذلل لأحد من أجل دنيا يصيبها، أعطى شرف النسب وفضل العلم رغم أن طموحه أبعد من ذلك، إلا أن الأمور سارت عكس ما أراد لأنه لا يحابي أحدا.

يتبع

الأحد, 03 ديسمبر 2017

ليس بكويتي

من ينسى فضل الكويت عليه برئت الذمة منه, فهي الأم والأب والأصل والمحتد أيها السادة الأمن والأمان نعمتان لا يشعر بقيمتهما إلا من فقدهما, نحن بحمد الله نعيش ببلد حفظه الله تعالى لنا, حامدين شاكرين إلا قلة قليلة لا يعجبها العجب. شبعت فبطرت. كان من دعاء أهل الشمال «يا مال الشبعة» وهم يعنون هذه الفئة التي أتحدث عنها, فالحمار أجلكم الله إذا شبع نهق ورمح بصاحبه , وهم كذلك, فالبطر كفران النعمة والاستخفاف بها وهي نعمة الله «وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين» القصص 58 , الكويت تستحق منا الكثير وحقها علينا جد كبير, إلا أنها عانت من عقوق بعض أبنائها الذين تطاولوا على رموزها وقادة مركبها بألفاظ توحي ببيئة أصحابها, والله إني عشت مع والدي ثلاثين سنة لم أملأ عيني من رؤيته احتراما واجلالا له, ولم يرني مدخناً رغم شراهتي بالتدخين, فكيف الحال بولاة أمرنا وغيرهم من أبناء الكويت, مثل الراحل جاسم محمد الخرافي رحمه الله, هذا الرجل كنت تستحي أن تنظر إليه وأنت تحدثه لتواضعه وحبابته وجم أخلاقه, أتظنون ان الله يضيع حق هذا الرجل؟ لا ها الله والآتي اعظم وأفظع, وحتى سمو الشيخ ناصر المحمد لم يسلم من اذى هذه الشرذمة التي لم تترك مصطلحاً يشبه أخلاقهم إلا وصموه به, وها هم يدورون حول باب قصره بالشويخ ينتظرون متى يفتح ليدخلوا ديوانه ويسلموا عليه, أيها السادة لم يغلب باطل حقاً قصر الزمان أو طال, فالحق يعلو ولا يعلى عليه, لقد كان جزاء الكويت من هؤلاء الناس كجزاء سنمار الذي قال فيه عبدالعزى بن امرئ القيس الكلبي: جزاني جزاه الله شر جزائه... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
ليس بكويتي من يسعى إلى زعزعة أمن الكويت, وترويع الآمنين, ليس بكويتي من يدمي قلب هذه الدرة المصونة والدانة المكنونة, ليس بكويتي من لا يدين بالولاء والطاعة لمن ولاه الله أمر البلاد والعباد, ليس بكويتي من سعى إلى قلب نظام الحكم ونزع قميص سربله الله هذه الاسرة منذ ثلاثة قرون, ليس بكويتي من يدين لحزبه على حساب وطنه, ليس بكويتي من طعن الكويت بظهرها, ألا ترون ما حولكم أم انكم صم بكم عمي, الاخطار محدقة بنا من كل حدب وصوب وانتم تغطون في سباتكم, تداركوا اخطاءكم وما فرطتم به من حق الكويت, واستكينوا وارعووا وتوبوا من ذنوبكم يصلح حالكم, فقد حباكم الله بأب يغفر زلاتكم ويغض النظر عن عفنكم وسوء أخلاقكم, ويعفو عن قدرة ويسامح, وهي نعمة جحدتموها وجميل كفرتموه حتى نقول: عفا الله عما سلف وأصلح الله ما تلف, وإلا فلستم بكويتيين.
ودام سالماً من قرأ هذه الرسالة.
انتهى حديثي... في أمان الله

أيها السادة هذا البيت ضمن قصيدة تعد أفضل شعره على الإطلاق اشار بها الى معاوية بن أبي سفيان حيث يقول:
يا أيها الملك المبدي عداوته
روّئ لنفسك أي الأمر تأتمر
وما شعرت بما أضمرت من حنق
حتى أتتني به الأنباء والنذر
فإن نفست على الأقوام مجدهم
فابسط يديك فإن المجد مبتدر
واعلم بأن علي الخير من نفر
شم العرانين لا يعلوهم بشر
نعم الفتى أنت إلا أن بينكما
كما تفاضل نور الشمس والقمر
وما أظنك إلا لست منتهياً
حتى يمسك من أظفارهم ظفر
إني امرؤ قلما أثنى على أحد
حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر
لا تمدحن امرأ حتى تجربه
ولا تذمن من لم يبله الخبر
قال البكري: النجاشي الشاعر من أشراف العرب، وكانت أمه من الحبشة فنسب إليها وقد ولد بنجران ثم جاء الى الحجاز في خلافة عمر بن الخطاب ثم نزل الكوفة في خلافة علي بن أبي طالب وشعره سهل عذب له ديباجة، ضربه علي في شرب الخمر، فخرج من العراق إلى الشام ودخل على معاوية بن أبي سفيان فطلب منه الأمان، فشاور معاوية مروان بن الحكم فقال له: لا تفعل. قال: إذاً يقول فيّ شعراً فتكون أنت أول من ترويه! فأمنه وأذن له بالدخول عليه فدخل النجاشي عليه فاستصغره لأنه كان أعور قصيراً، ففهم النجاشي ذلك وقال له: يا أمير المؤمنين، إن الرجال ليست بجزر فتستسمن، وإنما المرء بأصغريه، قلبه ولسانه، أما قصة جلده حد القمر فقد شربها النجاشي في أول يوم من رمضان هو ورجل يقال له أبو سمال الأسدي، فلما كان آخر النهار علت أصواتهما، فذهب رجل الى علي بن أبي طالب، فأخبره فأرسل لهما قوماً فأحاطول بهما، أما أبو سمال فاستطاع الهرب، وأما النجاشي فأخذ وجاؤوا به إلى علي فأمر به إلى السجن، ولما أصبح جلده ثمانين سوطاً وزاده عشرين، فقال النجاشي: أما الحد فقد عرفته، فما هذه العلاوة يا أمير المؤمنين؟ قال علي: لجرأتك على ربك، وإفطارك في شهر رمضان. ثم عقد العزم على الخروج إلى الشام فهجا أهل الكوفة وقال: إذا سقى الله قوماً صوب غادية
فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين... في أمان الله

أيها السادة ما الذي يستطيع أن يفعله المرء الأعزل من السلاح، عندما يرى سيوفاً سلت في وجهه؟ ليس أمامه شيء إلا رفع كلتا يديه وطلب الأمان، أي أجفان هذه التي تسل سيوفها بمجرد النظر إليها؟ إنها أجفان القمر الذي أشرف على «ابن النبيه المصري» وما إن نظر إليه حتى أشهرت السيوف ووجهت نحوه، ياله من بيت جميل للغاية. هذا البيت ضمن أبيات قالها شاعر من شعراء الدولة الأيوبية وهو: كمال الدين علي بن محمد بن الحسن المعروف بابن النبيه، المتوفى سنة 619 هـ تقريباً، وقد اسمعني هذه الأبيات صديق لي عنده أرشيف لا بأس به تغنى بصوت الملا سعود الكويتي رحمه الله وهو صوت «خيالي» سجل في بغداد سنة 1932 م لصالح شركة اسطوانات قديمة اسمها «أوديون» الملا سعود الكويتي لم يأخذ حقه كاملا كفنان من الرعيل الأول، ربما يكون ذلك بسبب وفاته المبكرة سنة 1971م علما أنه من جيل عبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي، قلة قليلة من تحدث عن هذا الفنان ومازالت اذاعة الكويت تحتفظ بتسجيلات نادرة له وقد التقاه الإعلامي الكبير الراحل: رضا الفيلي وأجرى معه لقاء نادراً بث على شاشة تلفزيون الكويت سنة 1964م، كما التقاه المؤرخ الكويتي سيف بن مرزوق الشملان في لقاء تلفزيوني سنة 1968م ولولا هذان اللقاءان لما عرف الناس عنه شيئا وهو سعود بن عبدالعزيز الياقوت المولود سنة 1900م، وعرف بسعود المخايطة نسبة لمهنته التي توارثها عن اجداده «خياطة البشوت»، وهي العباءة الرجالية، كان جده عبدالرحمن الصالح من أشهر تجار البشوت على مستوى المنطقة، وقد عرف بلقب «الكويتي» لكثرة رحلاته الفنية خارج الكويت، لذلك سمي: الملا سعود الكويتي، ويتمتع هذا الفنان بصوت قوي شجي حتى سماه الناس في تلك الفترة «رائد الصوت الخيالي» وبالاضافة الى عزفه على آلة العود فهو من أشهر من أجاد الضرب على المرواس لذلك كان عبداللطيف الكويتي وعبدالله فضالة حريصين على اصطحابه معهما في رحلاتهما الفنية خارج الكويت، وهو أول من سجل بصوته أبيات محمد بن لعبون: يا علي صحت بالصوت الرفيع فن خماري، ويرجع تاريخ تسجيلها الى سنة 1927م في بغداد لصالح شركة أوديون ايضا. اتصف الملا سعود الكويتي بدماثة الخلق وحسن الحوار والبشاشة مع سعة الاطلاع، ما جعله يكوّن علاقات طيبة مع الأسر الحاكمة في الخليج خصوصا المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وهو من تلاميذ الفنان الكويتي الكبير «خالد البكر» وخريج مدرسته الفنية لأنه كان كثير التردد على هذا الفنان في صغره ورافق فنان البحرين الأول محمد بن فارس الخليفة في بعض رحلاته الفنية وكذلك الفنان ضاحي بن وليد ومع ذلك لم يترك مهنته الأصلية: صناعة البشوت لأنه كان حاذقا بها إلا أنه بعد سكنه في منطقة الفيحاء ترك هذه الصناعة لتقدم سنة في سنة 1963م. ومن أجمل الاصوات التي سجلها صوت عربي: «هم حملوني في الهوى فوق طاقتي» لبلبل الغرام الحاجري.
انتهى حديثي بإيجاز.
دمتم سالمين في أمان الله

الصفحة 1 من 38