جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

فطلبه أمير العراق الحجاج بن يوسف الثقفي فهرب منه وهو القائل في الحجاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغي
بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس
تركت منابره كأمس الدابر
الق السلاح وخذ وشاحي معصر
واعمد لمنزله الجبان الكافر
ويعد عمران بن حطان من أشهر شعراء الشراة ودعاتهم المقدمين في مذهبهم ولكبر سنه ضعف عن القتال فكان يحرض الشراة بلسانه والشراة فرقة من فرق الخوارج سموا بذلك لقولهم: «شرينا «بعنا» انفسنا بالجنة في طاعة الله، حين فارقنا الجماعة الظالمة أما قصة أبيات عمران بن حطان الأخيرة التي عبر بها الحجاج، فقد ذكر ثقاة الرواة ان غزالة الشيبانية زوجة أمير الخوارج شبيب بن يزيد الشيباني أقسمت بالله تعالى لتدخلن الكوفة معقل الحجاج بن يوسف ومركز قوته ثم لتصلين في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ بالأولى البقرة وفي الثانية آل عمران وكانت على جانب عظيم من الفروسية والشجاعة والإقدام فاقتحم زوجها شبيب الكوفة وهي معه في سبعين فارساً ومعه أمه جهيزة فهرب الحجاج إلى قصره وتحصن به، فدخلت غزالة مسجد الكوفة ووفت بنذرها وفيها يقول أحد شعراء الكوفة:
وفت الغزالة نذرها
يارب لا تغفر لها
أما عمران بن حطان فقد هرب إلى الشام والتجأ إلى روح بن زنباع الجذامي متخفياً فأجاره على أنه رجل من الأزد ثم ذكره روح لعبدالملك بن مروان وأثنى على فهمه وأدبه، فطلبه عبدالملك ليكون من سماره فهرب إلى عمان وترك رسالة يقول في بعضها:
يا روح كم من كريم قد نزلت به
قد ظن ظنك من لخم وغسان
حتى اذا خفته زايلت منزله
من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حولا ما تروعني
فيه طوارق من أنس ولا جان
حتى أردت بي العظمى فاوحشني
ما يوحش الناس من خوف ابن مروان
لو كنت مستغفراً يوماً لطاغية
كنت المقدم في سري وإعلاني
أكتفي بهذا القدر..
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الحياة نقيض الموت وهي بقاء الكائنات بروحها وعمر المرء في هذه الدنيا، ما أشد حرص المرء على الحياة وكأنه مخلد، ينسى أن الموت له بالمرصاد.. بهرجة الدنيا وزينتها تنسينا مالنا «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون» «البقرة 96».
أما البيت عنوان الموضوع فهو من الأبيات المشهورة:
لقد زاد الحياة إلى حبا
بناتي إنهن من الضعاف
هذا البيت واضح المعالم، سهل المأخذ لا يحتاج إلى كثير تفسير، صاحبه أحب الحياة وتعلق بها لا لزخرفها الزائل وانما لمحبته لبناته الضعاف اللاتي لا حول لهن ولا قوة، وماذا يقول أيضاً:
أحاذر أن يرين الفقر بعدي
وأن يشربن رنقا بعد صاف
وان يعرين إن كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
هو شديد الخوف على بناته من العالة وشظف العيش والماء الكدر ربما لا يجدن ما يلبسنه ويكتسين به كغيرهن من الفتيات لعدم وجوده بينهن حتى أن العين تحتقرهن وتنظر إليهن نظرة إزدراء لتغير حالهم إلى الأسوأ لكل ما ذكرت لكم لا يستطيع ان يتركهن وهو شديد المحبة لبناته ولولا هذه الأسباب ما تراه فاعلاً؟ هو يقول:
ولولا ذاك قد سومت مهري
وفي الرحمن للضعفاء كاف
اتضح لنا ما سيفعله هذا الشاعر لولا بناته، سيرسل مهره وهو على ظهره واضعاً له علامة ليعرف به ويقاتل عليه.
أيها الأحبة عندما يبدأ الرجل كلامه أو شعره بلولا ذاك وذياك لفعلت وفعلت اجزموا بأنه جبان، فكل ما ذكره اعذار واهية لا تبرر تقاعسه عن القتال، خصوصا اذا كان هذا الرجل خارجياً، فالخوارج لا يفكرون بزعمهم إلا بالشهادة لا يفكرون لا ببنات ولا بنين، وهو خارجي حروري لم يمنعه من الخروج مع من هو على شاكلته إلا خوفه من صليل السيوف وتقصف الرماح، صاحب هذه الأبيات رأس الخوارج «القعدة» في وقته «عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني الوائلي البصري «توفي 84 هجرية» والقعدة من الخوارج يجيزون القعود عن الحرب، كان في بدايته من أهل السنة والجماعة حافظاً لحديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تزوج بامرأة خارجية زاعماً أنه سيردها عن رأيها إلى رأيها وكانت في غاية الجمال فعدلت به عن رأيه إلى رأيها لشدة حبه لها والله في خلقه شؤون.
يتبع

تزوج الرجل عفراء وارتحل بها إلى الشام وأصبح العم في حيرة من أمره!! ما الذي سيقوله لعروة حين يعود؟ فأرشدته أم عفراء إلى حيلة لتضليل عروة وهي أن يعمد إلى قبر عتيق فيجدده ويقول لابن أخيه إن عفراء ماتت وهذا قبرها وأن يسأل الحي كتمان أمر الزواج، عاد عروة فنعاها أبوها إليه وأراه قبرها ووافقه أبناء الحي، ودلوه على القبر فذهب الى القبر باكيا وهو يقول:
على كبدي من حب عفراء قرحة
وعيناي من وجد بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة
وعفراء عني المعرض المتوان
ثم مرض مرضا شديدا وأصابه الهزال فرثت لحاله جارية من الحي فأتته وأخبرته الخبر على وجهه فركب ناقته وتوجه الى منزل زوج عفراء ونزل ضيفا عليه وانتسب الى قبيلة أخرى ثم دفع خاتمه الى جارية عفراء وضعه في اناء اللبن فعرفته عفراء وشهقت ثم أخبرت زوجها ان ضيفه ابن عمها عروة فرحب به الزوج واكرمه وبالغ في احسانه وأذن له أن يتحدث مع عفراء وأوصى خادمة له ان تخبره بما يقولان، فاستمعت إليهما فإذا ما بينهما لا يعدو حبا شريفا عفيفا فذكرت ذلك لمولاها وعزم عروة على الرحيل وهو يعلم أن في رحيله موته وحاول زوج عفراء ثنيه عن عزمه ومن ضمن ما قاله له: إن شئت فارقت عفراء وتتزوجها فجزاه عروة خيرا فزوده وشيعه وسار عروة الى حتفه وهو يقول:
فيارب أنت المستعان على الذي
تحملت من عفراء منذ زمان
فآليت محيانا جميعا وليتنا
إذا نحن متنا ضمنا كفنان
ازداد مرض عروة، ثم حمل إلى عبدالله بن العباس رضي الله عنه ليدعو له عشية عرفة، فسأل الله له العافية ورق له ورحمه إلا انه امر قد قضي: «إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير» 36 - لقمان. فلم يزل المرض يتزايد عليه حتى مات المسكين ولما وصل خبر وفاته إلى عفراء جزعت جزعا شديدا وطلبت من زوجها أن تذهب إلى قبره لتندبه وتبكيه فأذن لها فخرجت فأتت قبره وبكت بكاء شديدا وقالت:
ألا أيها الركب المحثون ويحكم
بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا
بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
ثم وقعت على القبر ميتة فدفنوها إلى جانبه فصدق قول عروة بن حزام حينما قال:
وما عجبي موت المحبين في الهوى
ولكن بقاء العاشقين عجيب
وهي قصيدة من أجمل قصائد الحب العذري بدأها بقوله:
وإني لتعروني لذكراك رعدة
لها بين جسمي والعظام دبيب
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي آمان الله

لا عجب أن نسمع ان محبا قتله العشق والهوى، فهذه نهاية كل عاشق، وهذا امر غير مستغرب، ولكن الأمر الغريب أن يعيش العاشق ولا يموت من أثر العشق عليه، لأن الحب أمر عظيم، تأثيره في جسد العاشق كتأثير السم البطيء الذي تكون نهايته الموت، هذا ما عناه هذا الشاعر العاشق في هذا البيت وهو عروة بن حزام بن مهاصر العذري الذي أحب ابنة عمه عفراء بنت عقال بن مهاصر، وقبيلة بني عذرة مشهورة بالعشق العفيف، حتى سمي العشق الطاهر الحب العذري وكذلك الغزل العذري. يروي أن رجلاً سأل رجلاً: ممن أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبوا ماتوا!! فقالت جارية تسمعه: «عذري ورب الكعبة!!» وقال ابن قتيبة الدنيوري: «الجمال والعشق في عذرة كثير» وأشهر حب في بني عذرة حب عروة وعفراء، وهذه القصة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، عاش عروة في حجر عمه «عقال» بعد ان توفي ابوه «حزام» وهو صغير، وكانت عفراء ترباً له، فألف كل واحد منهما الآخر، وكان العم يقول لعروة وهو يرى ذلك: عفراء لك وأنت لها، حتى كبرا على هذا التآلف الذي أصبح مع مرور الأيام حباً عظيماً، وفي ذلك يقول:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني
جنونا فزدني من حديثك يا سعد
هواها هوى لا يعرف القلب غيره
فليس له قبل وليس له بعد
ثم ذهب الى عمه، وخطب عفراء فسر العم بذلك وفرح لأنه كان يحب عروة، إلا أن النفس أمارة بالسوء، طلب العم مهرا لعفراء لا يقدر عليه عروة «ثمانين ناقة» فوافق العاشق رغم أنه لا يملك إلا ثمانياً، وطلب من عمه أن يمهله عامين حتى يجمع لها المهر، وافق العم وذهب عروة الى اليمن يرافقه صديقان له من بني هلال بن عامر عل وعسى أن يعود بمهر عفراء وفي ذلك يقول:
يكلفني عمي ثمانين ناقة
ومالي والرحمن غير ثمان
وأثناء سفر عروة نزل بحيه ثري من أثرياء «البلقاء» فرأى عفراء وكانت على قدر كبير من الجمال فأعجبته، وتقدم لخطبتها إلا أن أباها رفض ذلك لأنه اعطى عروة وعدا، فذهب الرجل إلى أم عفراء فوافقت لما علمت بثرائه، وألحت على زوجها بأن يقبل بالرجل فوافق عقال، رغم رفض عفراء التي قالت:
يا عرو إن الحي قد نقضوا
عهد الإله وحاولوا الغدرا
يتبع

هذا الشاعر ولع في الحسن، يتبعه في كل مكان، والطامة أنه من أهل بيت الله الحرام ومن عليه القوم وكبارهم، له بالشعر خاصة الغزل باع طويل، فهل يقف للنساء الحاجات والمعتمرات أحد في هذا المكان لتصيدهن؟ والإجابة نعم، عرف هذا الشاعر بذلك عند القاصي والداني في صدر خلافة بني أمية، إنه عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر المشهور، ولا تعجبوا إن قلت لكم إنه ولد في اليوم الذي قتل فيه الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه فسماه أبوه عمر تيمنا بأبي حفص، فأي حق رفع وأي باطل وقع؟
نسب هذا الشاعر إلى جده أبي ربيعة وإنما هو: عمر بن عبدالله بن أبي ربيعة «حذيفة» بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القرشي، ولد عام 23 هـ، لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، لقب بالعاشق، وكنيته أبا الخطاب وأبا حفص، وأبا بشر، ويقال له المغيري، نسبة إلى جده الأكبر المغيرة، كان معروفاً باستغلاله موسم الحج ليتحرش بالنساء الجميلات ويشبب بهن في أشعاره، وكان الناس يحذرون منه، حتى عرف وصار مشهوراً، يتميز شعره بقدرته الفائقة على وصف النساء ويبحر في عواطفهن، وجمالهن، ومن أشهر قصائده في هذا الجانب قوله:
قف بالطواف ترى الغزال المحرما
حج الحجيج وعاد يقصد زمزما
بدر إذا كشف اللثام رأيته
أبهى من القمر المنير وأعظما
بدر تجلى بالطواف كأنما
قمر توسط في السماء الأنجما
سلبت فؤادي يالقومي طفلة
كالبدر محرمة بثوب معلما
عند الطواف رأيتها متلثمة
للبيت والحجر اليماني تلثما
أقسمت بالبيت العتيق لتخبري
ما الاسم قالت: من سلالة آدما
الاسم سلمى والمنازل مكة
والدار ما بين الحجون وغيلما
قلت أوعديني موعدا أحظى به
أفضي به ما قدر قضاه المحرما
فتبسمت خجلا وقالت: يا فتى
أفسدت حجك يا محل المحرما
عشق عمر بن أبي ربيعة فتاة يقال لها هند، وكانت تعده بأن تلقاه ولا تفي بما وعدت، فكان كلما سألها متى نلتقي؟ قالت: بعد غد، فقال في ذلك:
ليت هند أنجزتنا ما تعد
وشفت أنفسنا مما نجد
واستبدت مرة واحدة
إنما العاجز من لا يستبد
كلما قلت متى ميعادنا
ضحكت هند وقالت بعد غد
نحن أهل الخيف من أهل منى
ما لمقتول قتلناه قود
يعتبر عمر بن أبي ربيعة رائد شعر الغزل، ولم يمدح أحدا في شعره، وقد سأله الخليفة الأموي السابع سليمان بن عبدالملك: لم لا تمدح؟ فقال: أنا لا أمدح إلا النساء!
وكان ثريا موسرا ترك له أبوه  عبدالله مالا كثيرا بعد أن استشهد في فتح سجستان عام 78 هـ، ومن قصائد عمر أيضاً:
طال ليلي وتعناني الطرب
واعتراني طول هم ونصب
أرسلت أسماء في معتبة
عتبتها وهي أهوى من عتب
فأجابت رقبتي، فابتسمت
عن شتيت اللون صاف كالثغب
ان أتى منها رسول موهنا
وجد الحي نياما فانقلب
ضرب الباب فلم يشعر به
أحد يفتح عنه إذ ضرب
فأتاها بحديث غاظها
شبه القول عليها فكذب
روى الزبير بن بكار أن العرب كانت تقر القريش بالتقدم عليها في كل شيء إلا في الشعر، فلما ظهر عمر بن أبي ربيعة وانتشر شعره، أقرت لقريش بالشعر، وكان عبدالملك
بن مروان قد حج أيام خلافته، فدخل عليه عمر، فقال له: يا فاسق!! فقال عمر: بئس التحية لابن عمك، فقال عبدالملك: يا فاسق، أما أن قريشا لتعلم أنك أطولها صبوة، وأبطأها توبة أولست القائل:
ولولا أن تعنفني قريش
مقال الناصح الأوفى الشفيق
لقلت إذا التقينا قبليني
ولو كنا على ظهر الطريق
فسكت عمر، وكان لعمر أخ على جانب عظيم من التدين يدعى الحارث، فعاتبه يوما على ما يفعله، وهو يشبه عمر، فوعده خيراً، ثم ذهب الحارث إلى المسجد واستلقى، وكان عمر على موعد مع فتاة، فجاءت الفتاة، وجلست إلى جانب الحارث ظناً منها أنه عمر، فوثب الحارث وعلم أنها ظنته عمر، فقال: ما أرى عمر انتفع بوعظنا، ولما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبي ربيعة، فأمر واليه على مكة أن يشده وثاقا ويرسله إليه في دمشق، ففعل ما أمره، فلما رآه عمر بن عبدالعزيز أقبل عليه قائلاً: هيه يا عمر!!
فلم أر كالتجمير منظر ناظر
ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى
فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام، فمتى يفلتون؟ أما والله لهممت بحجبك حتى لا تنظر الى شيء غيرك، ثم أمر بنفيه، فقال له: أو أن لا أعود لمثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء، وأجدد توبة  على يدك، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، فعاهد الله على توبته وخلى سبيله.
ولما مرض عمر بن أبي ربيعة مرض الموت، حزن عليه أخوه الحارث حزناً شديداً، فقال له عمر: يا أخي، إن كان حزنك على قولي قلت لها وقالت لي، فكل مملوك لي حر إن أتيت حراما، فقال الحارث: الحمد لله طيبت نفسي، قال الزبير بن بكار أيضاً: عاش عمر بن أبي ربيعة ثمانين عاما، تغزل في أربعين سنة، ونسك أربعين سنة، وهذه الرواية تخالف عمره لأنه توفي سنة 93 هـ وبهذا يكون عمره 70 عاماً، هناك رواية أخرى ذكرها ابن الجوزي أن عمر غزا في البحر واحترقت به وبمن معه السفينة فمات شهيداً.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين ، وفي أمان الله.

وكان يقول: صلاح القلب في اربع خصال: التواضع لله، والفقر الى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله، توفي أبوعثمان في نيسابور يوم العاشر من ربيع الثاني سنة ثمان وتسعين ومائتين للهجرة.
وبالعودة لقوله:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو عليل
فهذا البيت سبقه على معناه المتوكل الليثي «ت85هـ» وقبل أبي الأسود الدؤلي «ت69هـ» حيث يقول:
يا أيها الرجل المعلم نفسه
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى
كيما يصح به وأنت سقيم
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا
تهدي وأنت من الرشاد عقيم!!
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها
فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك ينفع ما تقول ويشتفى
بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن فعل وتأتي مثله
عار عليك اذا فعلت عظيم
هناك أيها السادة من يجعل الدين ستاراً لبلوغ أغراضه، هذه الفئة من الناس منافقون، وضررهم شديد على المجتمع، روي ان حمزة بن بيض الحنفي اراد ان يسافر الى الشام فأودع نصف ماله عند إمام القرية، وأودع النصف الآخر عند بائع نبيذ، وخرج الى وجهته، ثم عاد بعد ذلك وذهب الى الإمام وطلب أمانته، فجحد هذا المرائي ان يكون اودع عنده مالا، وطرده، وكان قد بنى بالمال بيتا، وتزوج، فذهب ابن بيض الى بائع النبيذ، فأعطاه ماله لم ينقص درهما واحدا، فقال:
ألا لا يغرك ذو سجدة
يظل بها دائبا يخدع
كأن بجبهته جلبة
يسبح طوراً ويسترجع
وما للتقى لزمت وجهه
ولكن ليغتر مستودع
ثلاثون ألفا حواها السجود
فليست الى أهلها ترجع
بنى الدار من غير ما ماله
وأصبح في بيته اربع
والمؤمن كيس فطن يرى بنور الله تعالى، لا تنطلي عليه حيل هؤلاء المرائين، هؤلاء الناس وصفهم الله تعالى لنا وصفا دقيقا، حيث يقول عز من قائل: «إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا» «النساء 142».
دمتم سالمين، في أمان الله

أيجوز ان يعظ الناس من هو أحوج ما يكون الى الوعظ؟ كيف ينهى الناس عن أمور يأتيها ليلا بعيدا عن أعين الرقباء؟ كيف تأمر الناس بتقوى الله ولست بتقي؟ تكثر لهم من النصح ولا تنتصح! هؤلاء الناس هم المنافقون الذين حذرنا المولى عز وجل منهم، حيث يقول: «كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون» «المنافقين 3» وكانوا يقولون في الأمثال: «أعمش كحال»، صاحب هذا البيت الرجل الصالح «أبوعثمان الحيري» قال ابوعمرو بن مطر: حضرت مجلس ابي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ترى ان تقول في سكوتك شيئاً؟ فانشأ يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو عليل
فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج، واسم أبوعثمان الحيري: سعيد بن اسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ، قال صاحب وفيات الأعيان: ولد بالري ثم انتقل الى نيسابور، فسكنها الى ان توفي بها، وذكر غيره ان ولادته عام 230هـ وهو احد علماء اهل السنة والجماعة ومن محدثيهم، كما انه من اعلام التصوف السني، قال عنه الحاكم النيسابوري: «كان مجاب الدعوة» ومن العجائب التي تروى في سيرة هذا الرجل الصالح ما ذكرته امرأته مريم التي قالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، وقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم، لما ترعرعت وانا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد احببتك حبا ذهب بنومي وقراري، وانا اسألك بمقلب القلوب ان تتزوج بي، فقلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا، فراسلته، فأجاب فتزوجت بها، فلما دخلت بها وجدتها عوراء، عرجاء، سيئة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته علي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها برا واكراما، الى ان صارت لا تدعني اخرج من عندها، فتركت حضور المجلس ايثارا لرضاها، وحفظا لقلبها، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة، وكنت معها في بعض اوقاتي وكأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من ذلك، الى ان ماتت «انتهى»،
يتبع

وكان الناس في وقته يقولون انه من سلالة سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، وربما أراد البعض معرفة معنى التصوف، وهو مذهب اسلامي، ولكنه وفق الرؤية الاسلامية ليس مذهبا، وانما احد اركان الدين الثلاثة: «الإسلام، الإيمان، الإحسان» لذا نجد التصوف اهتم بتحقيق مقام الاحسان، وهو ان تعبد الله تعالى كأنك تراه، وان لم تكن تراه فإنه يراك والاجتهاد في العبادات وتجنب المنهيات وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، اما كلمة صوفي او متصوف فهي مأخوذة من خرقة الصوف التي يلبسها هؤلاء الناس، وهذا الرأي الأشهر وان كانت هناك آراء أخرى، وأول ما عرف التصوف بالبصرة وهناك عدة روايات لتاريخ ظهور التصوف منها: 150هـ - 189هـ بعد المائتين من الهجرة والحديث عن التصوف والصوفية لا يسعه هذا المجال واول من ظهر منهم البسطامي «261هـ» وهو ابوزيد طيفور بن عيسى، وكان الإمام الشافعي ينكر عليهم مذهبهم ويقول: لو ان رجلاً تصوف اول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير احمق.
وكذلك الإمام أحمد بن حنبل، وجاء بعده الإمام ابن الجوزي، الذي ذكر في كتابه «تلبيس ابليس»الذي قال فيه ان الشيطان جعلهم يتخبطون في الظلمات، والله وحده العالم بهم، ومن أعلام التصوف السني معروف الكرخي «ت200هـ» وسري السقطي «ت251هـ» وشبر الحافي «ت227هـ» ومن المتأخرين جلال الدين الرومي «ت672هـ» ومن جميل أشعار هؤلاء الصوفية أبيات أبي منصور الحلاج التي يقول فيها:
والله ما طلعت شمس ولا غربت
إلا وحبك مقرون بأنفاسي
ولا خلوت الى قوم احدثهم
الا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتك محزوناً ولا فرحاً
إلا وأنت بقلبي بين وسواسي
ولا هممت بشرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك بالكاس
ولو قدرت على الاتيان جئتكم
سعياً على الوجه او مشيا على الرأس
مالي وللناس كم يلحونني سفها
ديني لنفسي ودين الناس للناس
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

هذا بيت جميل درج على ألسنة الناس، وغناه المغنون في الماضي والحاضر، وراج رواجا كبيرا، عندما تتأمل هذا البيت ربما تسأل نفسك: ايهما أشد تأثيراً على الانسان الخمر أم الحب؟ هذا الشاعر يقول ان الحب أشد تأثيراً من الخمر، فشارب الخمر لابد ان يصحو ويفيق ويذهب تأثيرها عنه، لأن الخمر لها وقت معين وتذهب آثارها، أما شارب الحب فيظل طول عمره سكرانا، يعاني تأثير الحب عليه، أي حب هذا الذي يجعل الانسان فاقداً لوعيه طول عمره؟ هذا الشاعر لا يقصد الحب الذي يعرفه الجميع، ولكن «الحب الإلهي» عند الشعراء الصوفيين، وقد تميزوا بهذا الفن من الشعر، لأنهم غارقون في حب الله عز وجل، فهذا ابن الفارض عمر بن علي (576-632 هــ) يقول:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل ان يُخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها
هلال وكم يبدو اذا مزجت نجم
اما صاحب البيت عنوان الموضوع فهو زاهد متصوف اسمه محمد بن سكران بن أبي السعادات، من متصوفة القرن السابع الهجري.
وكان الناس في وقته يسمونه: محمد السكران، أما سبب لقبه «السكران» ففيه قولان، الأول انه كان يملك بستانا، فمن أخذ من بستانه شيئاً دون اذنه اصيب بحالة من فقدان الوعي، حتى انه لا يستطيع السيطرة على قواه العقلية، فيصبح مثل السكران! أما القول الآخر وهو الأقرب للواقع هو انه لقب بالسكران لتركه الدنيا، وهيامه بالله تعالى، وقبر هذا الرجل لا يزال ظاهراً في رصافة بغداد، ناحية الراشدية، ومكتوب عليه تاريخ وفاته 9 شعبان 663هــ، وهذا يعني انه شهد سقوط الدولة العباسية 656هـ، وعاش بعدها سبع سنين، وهو القائل:
قالوا تسلى عن المحبوب قلت بمن!!
كيف التسلي وبالأحشاء نيران
ان التسلي حرام في مذاهبنا
وليس أرضى بكفر بعد إيمان
فشارب الخمر يصحو بعد سكرته
وشارب الحب طول العمر سكران
ذكر صفي الدين في «مراصد الاطلاع» انه الشيخ الزاهد محمد بن سكران بن أبي السعادات مقمر، وانه انشأ رباطا في ناحية المباركة من قرى الخالص، والى جانب الرباط بستان له، يزرعه ويتقوت منه، أوقفه على الفقراء، وانضم اليه جماعة من الصالحين، فانقطع الى العبادة الى ان توفي، ودفن في رباطه، وعلى قبره ضريح من الخشب، وبنيت عليه قبة عالية لا تزال الى اليوم.
يتبع

قال: اني وردت على من لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته، وقال: قد علمت براءتك مما تقذف به «انتهى» واليكم اجمل ما قاله هذا الشاعر وهي القصيدة الزينبية:
صرمت حبالك بعد وصلك زينب
والدهر فيه تغير وتقلب
فدع الصبا فلقد عداك زمانه
وازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة
وأتى المشيب فأين منه المهرب
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا
واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واحذر مناقشة الحساب فإنه
لابد يحصي ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته
بل اثبتاه وانت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتها
ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها
دار حقيقتها متاع يذهب
والليل فاعلم والنهار كلاهما
أنفاسنا فيها تعد وتحسب
وجميع ما خلفته وجمعته
حقا يقينا بعد موتك ينهب
تبا لدار لا يدوم نعيمها
ومشيدها عمل قليل يخرب
لا تأمن الدهر الخؤون فإنه
مازال قدما للرجال يؤدب
وكذلك الأيام في غصاتها
مضض يذل له الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله فالزمها تفز
ان التقي هو البهي الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا
ان المطيع له لديه مقرب
واقنع ففي بعض القناعة راحة
واليأس مما فات فهو المطلب
واذا طمعت كسيت ثوب مذلة
فلقد كسى ثوب المذلة اشعب
والق عدوك بالتحية ولتكن
منه زمانك خائفا تترقب
واحذره ان لاقيته متبسما
فالليث يبدو نابه اذ يغضب
ان الحقود وان تقادم عهده
فالحقد باق في الصدور مغيب
واذا الصديق لقيته متملقا
فهو العدو وحقه يتجنب
يلقاك يحلف انه بك واثق
واذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وتوق من غدر النساء خيانة
فجميعهن مكايد لك تنصب
وزن الكلام اذا نطقت ولا تكن
ثرثارة في كل نادٍ تخطب
واحفظ لسانك واحترز من لفظه
فالمرء يسلم باللسان ويعطب
هذه بعض أبياتها، ولو كان المجال يسمح لذكرتها كاملة، وقد قتل صالح بن عبدالقدوس عام 160هـ وهو الراجح إلا أن البعض يذكر ان الذي قتله الخليفة العباسي الخامس: هارون الرشيد وهذا غير صحيح، فالرشيد تولى الخلافة منذ عام 170 الى عام 193هـ، وقد اثبت تاريخ وفاة هذا الشاعر من الطبري وابن كثير وابن الجوزي وابن خلكان.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

الصفحة 8 من 41