جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

وصفه ابن عذاري المراكشي في كتابه «البيان المغرب في اختصار ملوك الأندلس والمغرب» فقال: كان آدما شديد الادمة، طويلاً أشم نحيف الجسم، لم يخضب، وقال أيضاً: كان الحكم طاغية شجاعا حازما شديد الوطأة على خصومه والخارجين عليه، ومع ذلك تحدوه نزعة من الانصاف والعدل، نقش خاتمه «بالله يثق الحكم وبه يعتصم» وهو أول من أظهر أبهة الملك في الأندلس، واستكثر من الموالي والبطانة، مع ميله للهو، وعشقه للصيد والفروسية، إلا أنه بعد ذلك تاب وأناب، ورجع عن ظلمه واعتذر للناس عن أخطائه، وبعد وقعة الربض التي ذكرتها مرض الحكم الربضي مرضا لازمه أربع سنوات وفي 11 ذي الحجة عام 206 هـ اشتد عليه مرضه، فأوصى بالعهد لابنه عبدالرحمن ومن بعده ابنه الآخر المغيرة، وأمر بأخذ البيعة لهما ثم ما لبث ان توفي 26 ذي الحجة عام 206 هـ، ودفن بقصره وترك ثمانية عشر ولدا، ومن البنات واحدة وعشرين، وإليكم بعضا من قصائده التي دونها مؤرخو الأندلس مثل ابن حزم وغيره، يقول الحكم الربضي:
رأيت صدوع الأرض بالسيف راقعا
وقدما لأمت الصدع مذ كان يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة
أبادرها متنصي السيف دارعا
وشافه على الأرض الفضاء جماجما
كأقحاف شريان الهبيد لوامعا
تنبيك أني لم أكن في قراعهم
بوان وإني كنت بالسيف قارعا
واني إذا حادوا سراعا عن الردى
فما كنت ذا حيد عن الموت جازعا
ولما تساقينا سجال حروبنا
سقيتهم سجلا من الموت ناقعا
وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم
فوافوا منايا قدّرت ومصارعا
وكان الحكم يقول: ما تحلى الخلفاء بأزين من العدل، ولا امتطوا مثل التثبت، ولا ازدلفوا بمثل العفو، بلغ عدد مماليكه خمسة آلاف، ثلاثة آلاف منهم فرسان وهم «الخرس» سمو بذلك لأنهم لا يتكلمون العربية. كانت مدة حكم الحكم بن هشام ست وعشرين سنة، وعشرة أشهر وعشرة أيام، وعمره يوم مات 53 عاماً.
ثم تولى إمارة الأندلس بعده ابنه أبو المطرف عبدالرحمن الثاني بن الحكم الذي دامت دولته إحدى وثلاثين سنة، فقد ولد بطليطلة سنة ست وسبعين ومئة هجري، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومئة وعمره اثنتان وستون سنة.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

القضب التي أشار إليها هذا الشاعر هي أغصان الكرم غالباً ما تكون رطبة، أما البان فهو ضرب من الشجر، سبط القوام، لين ورقه يشبه ورق الصفصاف، يشبه به الشعراء الفتيات الحسان ذوات الطول واللين، وقوله «ما ست» بين كثبانو معناه: اختلافهن في مشيتهن، وتبخترهن فوق تلال من الرمل يكون في الصحارى أو بالقرب من الشواطئ، والسؤال: ما شأن هذه القضبان مع هذا الشاعر؟ هو يقول في الشطر الآخر لهذا البيت:
«ولين عني وقد أزمعن هجراني» ذهبن عنه وتركنه في نية البعد عنه، عزيمة منهن على تركه يعاني هجرانهن له، دعونا نطالع الأبيات كاملة:
قضب على البان ما ست بين كثبان
ولين عني وقد أزمعن هجراني
ناشدتهن بحقي فاعتزمن على
العصيان حتى خلا منهن همياني
ملكنني ملك من ذلت عزيمته
للحب ذل أسير موثق عاني
من لي بمغتصبات الروح من بدني
يغصبنني في الهوى عزي وسلطاني
هذه الأبيات قالها ثالث أمراء الأندلس من بني أمية الأمير الحكم الربضي وعندما تتأمل هذه الأبيات يتبادر إلى ذهنك قول هارون الرشيد:
ملك الثلاث الآنسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
مالي تطاوعني البرية كلها
وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى
وبه قوين أعز من سلطاني
دعونا نتعرف على الحكم الربضي الذي يعد أشد أمراء الأندلس من بني أمية، هو الحكم الأول بن هشام الرضا الأول بن عبدالرحمن الداخل صقر قريش بن الأمير معاوية بن الخليفة الأموي العاشر هشام بن الخليفة الأموي الخامس عبدالملك بن الخليفة الرابع مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، المرواني الأموي القرشي، أبو العاصي، ولد في قرطبة سنة 154هـ، وبدأ حكمه بتوجيه حملة عسكرية لغزو «ألبة والقلاع» وثار عليه عماه سليمان البلنسي وعبدالله، كما اثار عليه أبو الحجاج بهلول بن مروان وعبيد بن حميد فهزمهم جميعاً وقتل عمه سليمان.
ربما سأل البعض عن سبب تسميته بالربضي، ولهذه التسمية حكاية، ففي 13 رمضان عام 202 هـ، قام أهل قرطبة خاصة سكان حي الربض الجنوبي، بثورة عظيمة ضد أميرهم الحكم بن هشام لأسباب كثيرة، منها: زيادة الضرائب وقيام الحكم بقتل عشرة من كبارهم وصليهم، ثم قيام أحد مماليك الحكم بقتل صاقل سيوف طالبه بحقه، وأيضاً مجاهرته بشرب الخمر، فهاج أهل قرطبة وماجو يتقدمهم أهل الربض الجنوبي، وتوجهوا نحو قصر الحكم لإسقاطه، فقاتلهم الحكم ثلاثة أيام وأحرق حوانيتهم وأفنى عدداً كبيراً منهم وانتصر عليهم، وأمر بصلب ثلاثمئة منهم، وهدم الربض الجنوبي بأكمله، وشرد أهله خارج قرطبة، فتفرقوا لا يلوون على شيء، وسميت هذه الوقعة «وقعة الربض» وإليها يرجع تلقيبه بالحكم الربضي.
يتبع

عندما يتوه رأي المحب الدنف يحتار، لذلك يفقد التركيز ويفتقر إلى الرأي الصائب، بسبب شوقه وحنينه وتذكره أياماً كان فيها في قمة السعادة، نلاحظ في بيت الشعر مدى اشتياق شاعر الكويت الكبير فهد بورسلي لمنطقتين كان له بهما ذكريات جميلة لا يمكن أن ينساها، بل هي عالقة في ذهنه، ولا تزال أثارها واضحة، هناك في مملكة البحرين الغالية جداً على قلوب أهل الكويت، وبالتحديد مدينتا المحرق والمنامة، فترى ما الذي يهون عليه هذا الأمر ويخفف من شوقه وحزنه؟ لا ملجأ له إلا صديقه ورفيق دربه الفنان الكبير محمود عبدالرزاق الكويتي الذي شكا له معاناته، وطلب منه أمر آخرا فقال له:
قم سلني في دقة العود ... خفف على قلبي سقامه
يريد أن يستمع إلى عزف محمود الكويتي وهو يعلم أنه ماهر في العزف على آلة العود، لعل وعسى أن ينسيه هذا العزف الرائع همه ويخفف المرض الذي أصاب قلبه، لقد أصاب فهد بورسلي سهم الحب، هذا السهم الذي قلما ينجو منه عاشق، وماذا بعد؟ ما الذي يقوله هذا الشاعر الكبير:
حلفت ما شرق ولا عود ... أخاف من درب الملامة
أقسم بأن لا يعاود الذهاب شرقاً، ففيه ما يكفيه، ثاب إليه رشده ولا يريد معاودة هذه التجربة المرة المريرة، ونسأل فهد: ما السبب؟ فيقول: لا يريد أن يعيد الكره لأنه لا يتحمل وربما افتضح أمره وكثر اللوم عليه، و«المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين»، ولم يعد يحتمل ذلك. ثم يعاوده شريط ذكرياته الى المكان والزمان، إلى تلك الفتاة رائعة الجمال، التي أطارت لبه، ويتأملها وهو يقول:
شفته يجر الشال بركود ... يمشي «يدق» ما أحلى قوامه
لقد رآه يسحب شاله وهي الملحفة ذات القماش الرقيق، يسحب شاله بثقة وبخطوات بطيئة وربما تعمد ذلك ليثير اهتمام فهد به، حتى أن مشيته أشبه  ما تكون بالموسيقى «يدق»، ناهيك عن حسن قامته، ثم يكمل وصفه لهذه الفتاة قائلاً:
عمر «ن» وطول وزين وخدود.. زرق «ن» بها دق «ن» وشامه
لقد جمعت هذه الفتاة الكثير من الصفات الجميلة التي جعلته ينشغل بها عن سواها، هي في أول عمرها وافية الطول، على قدر كبير من الجمال، تتميز بخدودها التي تزينها شامة زرقاء، كل هذه الصفات بها!! ولو كنت مكان فهد بورسلي، رحمه الله، ما فارقت البحرين البتة، ثم يقول:
من خازره بعيونه السود
بالعون ما شاف السلامه
الويل لمن تلحظه هذه الفتاة بعيونها السوداء، فمن تحدد نظرها اليه فارق السلامة وفقد العافية، «وبالعون» كلمة كانت تقال في الماضي أشبه ما تكون بالقسم، وهي محرمة شرعا، لأن بالعون صنم من أصنام الجاهلية ولكن اغلب الناس لا يعلمون ذلك.
واذهب الى بيته الأخير:
فيه الغوى والكبر والزود
من نطرته فيه العلامه
بالاضافة الى ما ذكره من حسنها فهي جامعة لثلاث صفات: الغوى والكبر والزود، هي مائلة عن الحق، متكبرة ترى نفسها فوق الناس كما انها زائدة على غيرها وهذا واضح من كبرياء نظرائها.
انتهى الحديث وأقول في النهاية، ولد فهد بورسلي سنة 1918م وتوفي 1960م، وولد محمود عبدالرزاق النقي «الكويتي» 1904م وتوفي 1952م.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين في أمان الله.

استخدم الشاعر الكبير محمد بن لعبون في هذا البيت حرف النداء والتورية، في توجيه كلامه إلى صاحبه علي، وهو هنا أقرب ما يكون من قول العرب: «إياك أعني واسمعي يا جارة» هو ينادي علي ولكن المقصود محبوبته «مي»، حيث قال:
يا علي صحت بالصوت الرفيع
يا مره لا تذبين الجناع»
فقد صاح بصوت مسموع طالبا منها أن لا ترمي قناعها، وهو ما تستر به الفتاة وجهها ورأسها، لماذا طلب منها أن تتستر ولا تبدي وجهها؟ السبب في ذلك حسب الروايات المتواترة دخول شقيق الفتاة فجأة إلى المكان، فهو مشفق عليها من أن يراها في هذا الحفل السامر، وهو ما يسمى سامري عند أهل الخليج، المهم أن الفتاة فهمت ما يريد وأنها هي المقصودة بالبيت لا صاحبه علي، قصة مر بها ابن لعبون وهي تجربة حب لم يكتب لها النجاح، لذلك يقول لصاحبه علي وهو من أهالي البحرين:
يا علي عندكم صفرا صنيع
سنها يا علي وقم الرباع
يخاطب صاحبه مرة ثانية موضحاً له أن من أحبها عندكم في البحرين وأنها كالمهر، أحسن أهله تربيته، وهي بيضاء يخالطها صفرة لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة، ثم يقول:
نشتري يا علي كانك تبيع
بالعمر مير ما ظني تباع
ويستمر في توجيه كلامه إلى صاحبه متابعاً التورية وعدم الافصاح ذاكراً له أنه على أتم الاستعداد لدفع ما تطلبه هذه الفتاة التي شغفت قلبه من مهر، حتى وإن كان هذا المهر ذهاب نفسه، إلا أنه يشك شكا أقرب ما يكون من اليقين أنه لن يتم ذلك لأسباب لم يحددها، إلا أنه واضح أن ما يريده ليس بالأمر السهل ولا البسيط، ثم يذكر ابن لعبون تلك الليالي الجميلة التي كان يرى محبوبته متى شاء فيقول:
شاقني يا علي قمرا وربيع
يوم أمر وكل أمري مطاع
تزعت نفس ابن لعبون وتحركت مشاعره وهاج إلى تلك الليالي الربيعية الجميلة حيث ضوء القمر الذي يضفي على المكان منظراً رائعاً لا يزال عالقاً في ذهنه حيث لا يعصى له أمر، ويتمنى لو عادت تلك الليالي، ثم يفصح عن اسم الفتاة فيقول:
يوم أهلنا وأهل مي «ن» جميع
نازلين «ن» على جال الرفاع
إنها مي التي هام بها حباً، حيث كانت منازله ومنازل أهلها قريباً من مدينة الرفاع البحرينية، والجال هنا الجانب من الوادي أو البئر، ثم يتابع ذكرياته هناك بحزن وأسى قائلاً:
ضحكتي بينهم وأنا رضيع
ما سوت بكيتي يوم الوداع
يتذكر أيضاً طفولته هناك، ولعبه ومرحه وضحكه في ذاك المكان، كل هذا لا يساوي بكاءه وتساقط دموعه وشدة حزنه عندما فارق هذا المكان إلى حيث لا رجعة ويقول:
هم بروني وأنا عودي رفيع
يا علي مثل ما يبري اليراع
شبه نفسه بالقلم من ضعف بنيته وهزاله ونحول جسده ورغم ذلك فقد ازداد ضعفه ضعفا، وهزاله هزالا بسبب حبه الشديد لمي، ويكمل ما فعل به هذا الحب فيقول:
طوعوني أنا ما كنت أطيع
وغلبوني وأنا قرم شجاع
كان ذا بأس شديد شجاعاً فحلا صليب القناة سيداً لا تلين قناته لأحد، إلا أن الحب ألانه وجعله طيعا بيد مي فلا شجاعة مع الحب.
أيها السادة هذا بعض ما قاله الشاعر الكبير محمد بن حمد بن محمد بن ناصر بن عثمان بن لعبون الوائلي،الذي ولد في حرمة بنجد سنة 1205 هـ والمتوفى في الكويت سنة 1247 هـ بوباء الطاعون، ولو كان المجال يسمح لشرحت لكم بقية الأبيات.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

وكذلك قوله:
ملك الغرام عنانيه
فاليوم طال عنائيه
من لي بقلب أشتريه
من القلوب القاسية
وإليك يا ملك الملاح
وقفت أشكو حاليه
مولاي يا قلبي العزيز
ويا حياتي الغالية
عرف البهاء زهير بنبل الأخلاق وحميد الخصال والوفاء، ذكره قاضي القضاة ابن خلكان في الجزء الثاني من سلسلة: وفيات الأعيان، قال: أبو الفضل الكاتب الشهير زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي، من فضلاء عصره، وأحسنهم نظماً وخطاً ونثراً، ومن أكبرهم مروءة، اجتمعت به في القاهرة، ورأيته فوق ما سمعت به من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة، ودماثة السجايا، وهو القائل:
كيف خلاصي من هوى
مازج روحي واختلط
وتائه، أقبض في
حبي له وما انبسط
يا بدر إن رمت به
تشبها رمت شطط
قام بعذري وجهه
عند عذولي وبسط
لله، أي قلم
لواو ذاك الصدغ خط
وياله من عجب
في خده كيف نقط
يمر بي ملتفتا
فهل رأيت الظبي قط
ما فيه من عيب سوى
فتور عينيه فقط
يا قمر السعد الذي
نجمي لديه هبط
يا مانعي حلو الرضا
ومانحي مر السخط
حاشاك أن ترضى بأن
أموت في الحب غلط
ثم وقع بالقاهرة، ومصر وباء عظيم، لم يكد يسلم منه أحد، وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمئة للهجرة، وكان البهاء زهير ممن مسه منه ألم، فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه، في جهتها القبلية، وهذا العام الذي توفي فيه البهاء زهير هو عام سقوط الدولة العباسية وقتل الخليفة عبدالله المستعصم بالله، أما مخدومه فهو السلطان الملك الصالح نجم الدين ابن السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، ولد سنة 603 هـ، ذكر أنه كان مهيبا عالي الهمة، عفيفا طاهر اللسان والذيل، شديد الوقار، كثير الصمت، ومن زوجاته الملكة شجرة الدر، له اليد الطولى في جهاد الحملات الصليبية، وقد أعاد تحرير القدس بعد استيلاء الفرنجة عليها، وفي 15 شعبان سنة 647 هـ، والحرب دائرة بين المسلمين والصليبيين، توفي السلطان الصالح أيوب وهو في الرابعة والأربعين من عمره تاركاً البلاد بلا حاكم، بعد أن حكمها تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوماً، ومن حسن طالعه أن المسلمين فلوا جموع الصليبيين وهزموهم، ودفن الصالح أيوب يوم الجمعة 27 رجب سنة 648 هـ، في عهد السلطان عز الدين أيبك.
أكتفي بهذ القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

سؤال أطرحه على الجميع: هل يستطيع المرء تحمل الفراق والوجد والاشتياق واللوعة معاً؟ هذا السؤال يقبل الإجابة بنعم والاجابة بلا، لان قدرة الإنسان تختلف من شخص إلى آخر، دعونا نتعرف على معاني هذه الكلمات كل كلمة على حدة، وأبدأ بكلمة الفراق، وما أكثر من يشتكي منه، الفراق أيها الأحبة يعني البعد، والنوى وللبعد وقع شديد في قلوب المحبين، وألم في نفوسهم، أما الوجد فهو الحزن والتحرق واللهفة والشغف لرؤية الأحباب، والاشتياق ورغبتك الشديدة في لقاء من تحب، أما اللوعة فهي حرقة في داخل الإنسان سببها الحب، صاحب هذا البيت البهاء زهير رحمه الله تعالى جعلنا نتحسس معاناته ونشعر لشعوره في تصوير بليغ.
دعونا نتعرف على هذا الشاعر فهو: بهاء الدين زهير بن محمد بن علي المهلبي الأزدي، يرتقي نسبه الى القائد الإسلامي الكبير المهلب بن أبي صفرة، شاعر مبدع وكاتب مجيد، من أهل مصر المحروسة، إلا أن ولادته كانت بالقرب من مكة المكرمة بوادي نخلة 581 هـ فكانت طفولته وشطر من أيام صباه في أم القرى بلد الله الحرام، حيث تلقى تعليمه فيها، وبرع في الحديث والأدب، وظهرت براعته الشعرية في سن مبكرة، هاجر إلى مصر واستقر بمدينة «قوص» وكانت من أعظم مدن صعيد مصر في تلك الأيام، فعمل كاتباً وبدأ بنظم القصائد، وانتقل إلى القاهرة عام 619 هـ، وهناك اتصل بالملك الأيوبي الصالح نجم الدين «637-647 هـ» فحظي عنده، وأعجب به، فولاه ديوان الإنشاء، وهي وظيفة مرموقة في الدولة الأيوبية، ثم أصبح البهاء زهير بعد ذلك أشهر شعراء عصره ومن قصائده الجميلة قوله:
ترى هل علمتم ما لقيت من البعد
لقد جل ما أخفيه منكم وما أبدي
فراق ووجد واشتياق ولوعة
تعددت البلوى على واحد فرد
رعى الله أياماً تقضت بقربكم
كأني بها قد كنت في جنة الخلد
هبوني امراً قد كنت بالبين جاهلاً
أما كان فيكم من هداني إلى الرشد
وكنت لكم عبداً وللعبد حرمة
فما بالكم ضيعتم حرمة العبد
وما بال كتبي لا يرد جوابها
فهل أكرمت ان لا تقابل بالرد
فأين حلاوات الرسائل بيننا
وأين أمارات المحبة والود
وما لي ذنب يستحق عقوبة
ويا ليتها كانت بشيء سوى الصد
ويا ليت عندي كل يوم رسولكم
فاسكنه عيني وافرشه خدي
وإني لأرعاكم على كل حالة
وحقكم أنتم أعز الورى عندي
عليكم سلام الله والبعد بيننا
وبالرغم مني أن أسلم من بعد
وهو صاحب الأبيات الشهيرة المغناة:
دعوا الوشاة وما قالوا وما نقلوا
بيني وبينكم ما ليس ينفصل
لكم سرائر في قلبي مخبأة
لا الكتب تنفعني فيها ولا الرسل
رسائل الشوق عندي لو بعثت بها
إليكم لم تسعها الطرق والسبل
يتبع

دعونا نتعرف على صاحب هذين البيتين الدارجين، هو ناصح الدين أبوبكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني، قاضي مدينة تستر ولد عام 460هـ، في خلافة أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبوجعفر أحمد بن القادر الخليفة العباسي الثامن والعشرين (422ـ467هـ) وكان أبوبكر الأرجاني حامل لواء الشعر في وقته حتى عد شاعر عصره، مدح أمير المؤمنين المترشد بالله الفضل بن المستظهر «512ـ529هـ» وأرجان المنسوب لها القاضي بلد في الأهواز وهو في الأصل شيرازي، قال ابن خلكان: يعود أصله الى قبيلة الأوس الأنصارية وأثنى عليه العماد في خريدة العصر، وذكره صاحب الوافي في الوفيات، وقال: كان أحد أفاضل الزمان، لطيف العبارة غواصاً على المعاني، له ديوان شعر كبير، وهو القائل:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع
في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري اذا ما قلت دونه الورى
الطبع لا بتكلف الألقاء
كالصوت في قلل الجبال اذا علا
للسمع هاج تجاوب الأصدقاء
وكان أبوبكر الأرجاني متبرماً من عمله كقاض وفي ذلك يقول:
ومن النوائب أنني
في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي
صبراً على هذي العجايب
وقال في الخال وأبدع:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالا
لتعلم كم خبايا في الزوايا
وفي الصاحب يقول:
أحب المرء ظاهره جميل
لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول
وهل كل مودته تدوم؟
ومن جميل أشعاره قوله:
دع العين مني تسكب الدمع أو تفنى
فليس لعين لا أراك بها معنى
حرام عليها ان رأيت بها الورى
ولم تك فيهم ان أجف لها جفنا
لا محو سواد العين بعدك مثلما
محا المرء يوما من صحيفته لحنا
لقد سرقت كف الردى لي درة
أطال لها الأعزاز في مقلتي خزنا
فصيرتها بحرا من الدمع بعدها
لعلي بطول الغوص لقى بها خدنا
وهيهات ما بحر البكاء بمعدن
فمن أين تأميل اعتياضي ومن أنى
ومدينة أرجان المنسوب لها القاضي مدينة تاريخية مندثرة موقعها بين الأحواز وفارس، وتسمى أحيانا في بعض المصادر «أبرمقباذ» أو «أبزقباذ» نسبة لبانيها الملك الساساني «قباذ بن فيروز» وقد فتحت في العصر الاسلامي على يد الصاحبي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عام 27هـ في خلافة سيدنا عثمان بن عفان، وقد فتحت صلحاً على الجزية والخراج، وقد اندثرت هذه المدينة في المئة الثامنة للهجرة، وقام مقامها مدينة: بهبهان في مدينة الأهواز على ساحل الخليج العربي، توفي القاضي ناصح الدين الأرجاني في مدينة تستر عام 544هـ، عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاما، في خلافة أبوعبدالله محمد المقتفي لأمر الله بن أحمد المستظهر بالله الخليفة 31 في سلسلة خلفاء الدولة العباسية «530ـ555هـ».
اكتفي بهذا القدر...
دمتم سالمين، وفي أمان الله...

تعرف الشورى بأنها طلب الرأي ممن هو أهل له، وهي أصل من الأصول الأولى للنظام السياسي، ولا تشاور إلا أهل العلم والأمانة والعقل والدين، وقد حث الإسلام على أخذ الرأي، اقرأ ان شئت قول المولى عز وجل: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» الآية 159 - سورة آل عمران.
إذاً فالتشاور في الأمر لا يأتي إلا بالخير، ولأهمية الشورى في المجتمع الاسلامي وردت عشر مرات في القرآن الكريم، الموضع الأول الآية التي ذكرتها لكم، والموضع الثاني، الآية 38 من سورة الشورى، والموضع الثالث، الآية 33 من سورة البقرة، والموضع الرابع، الآية 62 من سورة النور، والموضع الخامس، في سورة يوسف عليه السلام من الآية 8 إلى 10 ثم الآية 15، والموضع السادس، سورة النمل الآية 32، والموضع السابع، سورة الأعراف، الآيات «109 - 110 - 111»، والموضع الثامن سورة الأنفال الآية 30، والموضع التاسع، سورة يوسف، الآية 43، وأخيراً الموضع العاشر في سورة طه، الآية 62.
رأيتم أيها الأحبة كم هي الشورى مهمة في الاسلام، فهي لا تأتي إلا بالخير، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، كان كثيراً ما يشاور أصحابه كبيرهم وصغيرهم، وقد شاورهم قبل معركة الخندق وأشار عليه سلمان الفارسي ببناء خندق وأخذ برأيه، وقد تسابق الشعراء على ذكر الشورى في أشعارهم، ومن أفضل ما قيل في هذا الجانب قول القاضي الجليل أبوبكر الأرجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة
يوماً وان كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى
ولا ترى نفسها إلا بمرآة
هو يقول شاور غيرك اذا نزلت بك نازلة أو مصيبة، حتى وان كنت ذا رأي صائب، فربما غاب عنك الرأي، وضرب مثلا جميلاً، حيث قال ان العين ترى القريب والبعيد، إلا انها لا ترى نفسها إلا من خلال مرآة، والمرآة هنا تعني الأخذ بالرأي والمشورة.

جاء بعد هذا الإمام الشاعر صفي الدين الحلي أبو المحاسن عبدالعزيز بن سرايا بن نصر الطائفي «677 هـ- 752 هـ» فقال مستخدماً البيت المشار إليه في البداية:
شمس النهار بحسن وجهك تقسم
إن الملاحة من جمالك تقسم
جمعت لبهجتك المحاسن كلها
والحسن في كل الأنام مقسم
أنت المراد، وسيف لحظك قاتلي
لكن فمي عن شرح حالي ملجم
تشكو تفرقنا وأنت جنيته
ومن العجائب ظالم يتظلم
وتقول أنت بعذر بعدي عالم
الله يعلم أنني لا أعلم
فتراك تدري أن حبك متلفي
لكنني أخفي هواك وأكتم
«إن كنت ما تدري، فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم»
وربما سأل بعض عن سبب تسمية ابن القيم بهذا الاسم وكذلك ابن الجوزية، والسبب أن والده كان قيما على المدرسة الجوزية بدمشق، ولابن القيم أقوال مأثورة منها:
للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله، هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.
إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة، والموت يقطعك من الدنيا وأهلها.
أما شيخه وأستاذه ابن تيمية فهو الإمام والعلامة والمفتي والخطيب البارع عالم حران فخر الدين محمد بن أبي القاسم الخضر بن علي بن عبدالله بن تيمية، الحنبلي، ولد في شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وهو من بني نمير بن عامر.
وتعد أسرته من الأسر المشهورة بالعلم، كان أبوه عالماً محدثاً، وابن تيمية مشهوراً في وقته بلقب: شيخ الإسلام، أما عصره الذي عاش فيه، فكان عصر قلاقل لأن خطر التتر داهم من كل ناحية، تعرض لأربع محن في حياته الأولى عام 705 هـ والثانية عام 707 هـ، والثالثة عام 718 هـ، والرابعة عام 726 هـ، كلها يسجن به ثم يطلق سراحه، ذكر عنه شجاعة وبسالة وشدة، ولم يتزوج، ولم يكن له مال، توفي شيخ الإسلام ابن تيمية في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.
ومن قصائده الجميلة قوله:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي
رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله
لا ينثني عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب
ومودة القربى بها أتوسل
يذكر أنه سجن في القلعة بدمشق، بعد أن وشي به بعض علماء السوء، فكان سجنه فاتحة خير عليه زاد حب الناس له وأقام في سجنه صلاة الجمعة ولم تكن تقام قبل ذلك، ودعا إلى الله تعالى، وكان قد وجد المحابيس منشغلين باللعب واللهو كالشطرنج والنرد، ولم يكونوا يؤدون الصلوات، فأنكر ابن تيمية عليهم ذلك أشد الإنكار، وحثهم على الصلاة والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح والاستغفار والدعاء، ورغبهم في فعل الخير حتى صار السجن مكانا لذكر الله والاشتغال بالعلم، وقد أفرج عن بعضهم ورفض الخروج وظل ملازما لابن تيمية إلى أن خلصه الله.
ولما توفي صلى عليه 500 ألف إنسان رحمه الله تعالى.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

شمس الدين ابن القيم الجوزية هو صاحب هذا البيت الذي حاز إعجاب الناس، وحلا لهم ترديده بين الفينة والأخرى، والمعنى الواضح لهذا البيت أنه: إن كنت لا تعلم بهذا الأمر الشديد الأهمية لك فهي مصيبة!! والمصيبة تعني كل مكروه يحل بالإنسان، وإن كنت تعلم بهذا الأمر المهم ولا تعيره اهتمامك فلاشك ان الأمر أشد وأدهى، هذا البيت مثل سائر وصاحبه من الأئمة المشهورين، فهو: أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزرعي، نسبة لبلدة زرع جنوب سوريا، ثم الدمشقي الحنبلي، ولد عام 691 هـ وتوفي عام 751 هـ، من علماء المسلمين في القرن الثامن الهجري وله العديد من المؤلفات، عاش في دمشق، وتتلمذ على يد ابن تيمية، ولازمه ست عشرة سنة، وتأثر به، سجن مع ابن تيمية، وخرج بعد وفاته عام 728 هـ، عرف بشدة صلاحه وتعبده وتهجده وطول صلاته إلى الغاية القصوى، كثير الاستغفار والانكسار لله تعالى، لم ير مثله في أيامه، كما كان على علم واسع بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان، ثم امتحن بعد ذلك وتعرض للأذى وسجن، ثم لما خرج من سجنه جاور بمكة المكرمة شرفها الله، ذكره ابن كثير الدمشقي وقال: لا أعرف في هذا العالم بزماننا أكثر عبادة منه، كان له طريقة في الصلاة يطيلها جداً.
وقال في حقه ابن حجر العسقلاني: كان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار ويقول: هذه غدوتي لو لم أفعلها سقطت قواي، ولابن الجوزية 98 مؤلفا منها: أحكام أهل الذمة، الروح، بدائع الفوائد، التبيان في أقسام القرآن، زاد المعاد في هدي خير العباد، الطب النبوي وغيرها الكثير، أما بيته المشار إليه فهو ضمن أبيات كثيرة كلها وعظ وارشاد وحكمه بدأها بقوله رحمه الله تعالى:
وصم يومك الأدنى لعلك في غد
تفوز بعيد الفطر والناس نوم
وهي أبيات رائعة يتشوق بها إلى بيت الله الحرام ويصف من خلالها مناسك الحج ومنظر الحجيج، ثم يصف بعد ذلك انتفاضة البعث، وسبيل النجاة من عذاب الله، ثم يصف تجلى الله تعالى لأهل الجنة «اللهم اجعلنا منهم» بقوله:
سلام عليكم يسمعون جميعهم
بأذانهم تسليمه إذ يسلم
يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما
تريدون عندي إنني أنا أرحم

يتبع

الصفحة 7 من 41