جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

هذا البيت فيه عبق الماضي، يعود بنا الى كويت الستينات وما اجمل تلك الايام حيث البساطة والعفوية، كانت بيوت اهل الكويت متواضعة كتواضع اهلها، اغلبها مبني من الطين على النظام العربي القديم وكان الحوش يتوسط المنزل والغرف تحيط به من كل جانب على شكل نصف دائري تقريبا والابواب كانت بسيطة جدا يحركها الهواء ببساطة وتصدر صوتا يسمعه من في داخل الغرفة بفعل التيار، نحن الآن امام شاعر محب صادق الاحساس يجلس في غرفته وحيدا بين حزن وترقب وتوتر وقلق بين اليأس والأمل، هذا الشاعر المسكين عيناه على الباب ويده على خده لعل وعسى أن يدفع الباب حبيبه الغائب، وبين لحظة وأخرى يتحرك الباب بفعل الهواء وكلما تحرك الباب ظن ان من حرك الباب حبيبه إلا أن الهواء هو المحرك لا الحبيب فأصبح في حيرة من أمره بين الهواء والحبيب كلاهما صار ضده فعلى أيهما يقع اللوم أم أنهما ملومان معا، أيها السادة أرأيتم أرق من احساس بدر بورسلي في هذا البيت؟ يقول بعد ذلك:
أنطر يا عيني جية اللي غاب
كلمة هلا تنطر على لساني
في هذا البيت يخاطب عينه لا سواها، لماذا؟ لأن العين هي المنتظرة المترقبة ولاشك أنها لا تخلو من الدموع، يقول بدر بورسلي لعينه: ان لسانه على طرفه الترحيب بالحبيب الغائب، إلا أنه لم يظهر ومازال منتظرا ثم يعود إلى الهواء ملقيا باللوم والعتب عليه لتحريكه الباب مرات عدة فيقول:
أثر الهوى يارويحتي كذاب
كذب على قلبي ومنّاني
هنا وجه كلامه إلى روحه بهيئة التصغير «رويحتي» اشارة لضعفها، يخبرها بأن الهواء كاذب لعب بأعصابه ومناه بالباطل وزاد همه هما، أيها السادة هذه بعض أبيات السامرية الشهيرة التي غناها الفنان الراحل فيصل عبدالله ولحنها الرائع خالد الزايد وكتبها الشاعر المميز المتميز بدر بورسلي، أعرف الشاعر وأعرف الملحن إلا أنني لم ألتق بالراحل فيصل عبدالله، وسأتحدث بايجاز عن خالد الزايد الملحن الإنسان الخلوق المتواضع ابن المرقاب الذي ولد سنة 1943م، وهو من أوائل الملحنين الكويتيين جمع بين الموهبة والدراسة فنجح نجاحا كبيرا وأثر في الاغنية الكويتية وكانت له بصماته، بدأ حياته معلما للاجتماعيات في وزارة التربية أما مشواره مع الفن فقد بدأ سنة 1967م في أغنية «يا غناتي» وانطلق بمسيرته حتى اصبح في مقدمة الملحنين وتوالت الحانه الرائعة واكتشافاته للاصوات الغنائية وأولها الفنانة الكبيرة عائشة المرطة، وأهم ما قدمه لها اغنيته الشهيرة «منسية» التي طبقت الافاق شهرة، وقدم ايضا الفنانة الرائعة رباب بأغنية «اجرح وعذب على ما تشتهي» وكون مع رفيق دربه الشاعر مبارك الحديبي ثنائيا ناجحا وتعاون مع معظم المطربين الكويتيين وعدد من الأصوات العربية، أيها السادة ألتقيت خالد الزايد كثيرا وآخر مرة التقيته بها ونحن خارجين من مسجد وزارة الاعلام وتحدثت معه طويلا وكان كعادته هادئا خافض الصوت مبتسما ودودا لبقا، ثم داهمه المرض بعد ذلك الى ان وافاه الأجل المحتوم في الثلاثين من نوفمبر سنة الفين وثمانية للميلاد، وقد كرمته الدولة ممثلة بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب سنة 2012م، وسيظل خالد الزايد خالدا كاسمه في الساحة الغنائية الكويتية.
انتهى حديثي، دمتم سالمين وفي أمان الله.

دون مقدمات أو استهلال، وبلا روية وتفكير قال لنا جهبذ السياسة المتحذلق المنقعر وبثقة متناهية: الحل في الحل والعلقة في التعليق؟ اصابتنا الدهشة واستغربنا ما يقوله فقلت في قلبي حل الله وسطك، وقال بعضنا لبعض: ما يقول هذا؟ ثم سأله أحد الحاضرين: أيها الرجل، إنك لتتحدث بأمور لا نعرفها، ألغاز ما تقوله لنا؟ أو كلمات ذات معنى؟ أم أنك تسخر منا لجهلنا في السياسة! ضحك الجهبذ ضحكا طويلاً وقهقه ونحن كالخشب المسندة وقال: يا معشر هواة الادب والثقافة والتاريخ، ما قلته لكم بلا مقدمات انما أخبرني به هاتفي عندما زارني ليلة البارحة في منامي، وقد ذكرته لكم حرفياً دون زيادة أو نقصان، فقلت له بدهشة: هل فسر لك هاتفك المصون ما قاله؟ انها كلمات غامضة أقرب ما تكون من الطباق والجناس، قال وهو مبتسم أنا لا أعرف طباق ولا طاق ولا طرباق، وقد سألت هاتفي عن تفسيرما قاله ودار حديث طويل بيني وبينه، ووضح لي بجلاء ما سألتموني عنه فقال: الحل هو العلاج الناجع الذي إذا استخدم سارت الأمور في اتجاهها الصحيح السليم، وهذا هو معنى كلمة الحل الأولى، أما قوله لي «في الحل» فالمعنى حل مجلس الأمة وهو الحل الأمثل كقول الأجداد «هذا دواك وعلى الله شفاك»، هكذا فسر لي هاتفي الجملة الأولى، قلت له: هل تقصد أن حل مجلس الأمة هو الحل؟ قال نعم وهذا ليس بكلامي وإنما كلام هاتفي، قال له أحد الحاضرين: ماذا عن «العلقة في التعليق» فقال: العلقة تعني الضرب الموجع الذي يؤثر في جسد الإنسان المضروب، وإذا قلت العلقة في التعليق فالمعنى «تعليق الدستور» إذا فلتت الأمور وصار الهرج والمرج وأحدقت بنا الأخطار وهو الحل الأخير وآخر الدواء الكي، ثم تابع قائلاً: كل كويتي شريف، وما أكثرهم، إذا احس بحاجة الوطن إليه استمات في الدفاع عن حياضه، ولم يعد مجلس الأمة بذي أهمية عنده، عاودنا النظر الى الجهبذ وحالنا «سكارى وما هم بسكارى» ثم قال صاحبي: إن حوارك مع هاتفك طويل ومرعب، أشبه ما يكون بحلم الرجل بين اليقظة والمنام، فقال فيم الدهشة؟ هل يحاسب الإنسان على الأحلام؟ فقبل ليال جاءني هاتفي وقال لي: ستملك ثلاثة مليارات من الدنانير القيصرية الذهبية العتيقة الصفراء، التي يزن الواحد منها ثلاثة دنانير من العملة الكويتية، فصدقته وقمت من منامي فرحاً ونظرت حولي فوجدت محفظتي ففتحتها وإذ بها سبعة دنانير فقط، قال له أكبرنا سناً: أيها الرجل المعذب نفسه بهذه الاحلام التي لا تغني ولا تسمن من جوع اذهب الى حيث حلت رحالها أم قشعم، لا بارك الله بك ولك ولا بهاتفك المشؤوم، نحن راضون عن حكومتنا الرشيدة، ومجلس أمتنا الموقر، وكلنا صف واحد خلف قيادتنا، اذهب أنت وهاتفك الخبيث الساعي إلى شق الصف الواحد، فقام مذموماً مدحوراً يجر اذيال الخيبة والذلة والانكسار وهو يردد قول طرفة بن العبد الوائلي:
«ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود».
انتهى الحديث في أمان الله

تأملوا هذا البيت الذي يبدو صاحبه من خلاله شديد الارتباك!! يصرخ بالناس مستنجداً بهم، يناديهم بأعلى صوته طالباً منهم مساعدته وارشاده إلى الطريق الذي يخلصه مما هو فيه، هي أشبه ما تكون بصرخة الاستغاثة، فالأمر جد خطير، لقد شبه الحالة التي هو فيها بمن وقع في بئر الظلمات والخوف والفزع، يبحث عن درج يصعده ليصل من خلاله إلى بر النجاة والأمان، فما السبب في كل هذه المعاناة؟ لنر ذلك:
من صد مظنوني وأخلى بلادينه
أجاوب الورقى من ضيقة البالي
كل هذه المعاناة بسبب «صد مظنونة» وليته كان صدا فحسب، ربما هان الأمر عليه، ولكن قاصمة الظهر قوله «أخلى بلادينه» كيف ذلك؟ أقول: أولاً الصد الذي ذكره ليس الهجران الذي نعرفه، وانما أبعد من ذلك، فهو هجران تام، وانقطاع الرؤية والصلة بهذا المظنون نهائياً، لأنه ترك المكان الذي كان يراه فيه وذهب إلى مكان غير معلوم، حتى ان مكانه المعلوم أصبح اثراً بعد عين، ولهذا السبب صار هذا الشاعر يجاوب الحمام في سجعه ونوحه من شدة حزنه وتحسره على مظنونه، والمظنون من أضن به عن الغير ومن تسر العين لرؤيته، وبعد ذلك يعزي عيونه الباكية الحزينة فيقول:
عزاه يا عيوني تبكي على عينه
بوشامة زرقا بالحب قتالي
لأن عيونه لم تعد ترى عيون هذا الحبيب بكت وتساقطت دموعها لذلك فهو يتألم لألم عينه ويعزيها بمعنى يواسيها على ما حدث، ويصف هذا الحبيب بقوله «بوشامة زرقا»، وليس هناك شامة زرقاء، وانما هي شامة سوداء أقرب ما تكون من السوداء الفاتحة، وأخيراً يصف حبها بالأمر الشديد للغاية، هذه بعض أبيات سامرية شاعر الكويت الكبير فهد بورسلي، وهي سامرية مشهورة، زاد شهرتها غناء فنانة الكويت الكبيرة عائشة المرطة لها، وإليكم بعض المعلومات عنها: عائشة المرطة، رحمها الله، أول فنانة كويتية تقف على المسرح وتغني، وأول فنانة كويتية تعطل الدوائر الرسمية يوم وفاتها، وأول فنانة كويتية تغني فن الصوت، وأول فنانة كويتية تخرج بالأغنية الكويتية إلى خارج نطاقها المحلي، وأول فنانة كويتية تغني بمصاحبة فرقة موسيقية، وأول فنانة كويتية غنت الأغاني الوطنية، وقد ولدت سنة 1934م في فريج الفوادرة بمنطقة جبلة ولم تفقد بصرها إلا في سن السابعة بسبب مرض الجدري، وكانت رائعة الصوت منذ صغرها، وقد عاشت في كنف خالها سالم المرطة «النهام المعروف»، وكانت انطلاقتها سنة 1970م، وأولى أغانيها «ياليل دانة» تأليف ماجد سلطان ولحن خالد الزايد، رحمهما الله، ثم توالت أعمالها بنجاح كبير، حتى لقبت: ملكة السامري، وكان لها تعاون مميز مع الشاعر مبارك الحديبي والملحن خالد الزايد أثمر أعمالاً فنية خالدة من بينها منسية، ودعتك الله، البارحة يا حبيبي، عاشت هذه الفنانة الرائعة حوالي 44 عاماً، حيث توفيت في 17 يوليو سنة 1978م، وأعلن الحداد الرسمي يوم وفاتها.
انتهى حديثي بإيجاز.
دمتم سالمين، في أمان الله.

لا يمكن لكاتب أن يتحدث عن سمو الشيخ جابر المبارك رئيس مجلس الوزراء، دون الإشارة إلى والده الشيخ مبارك بن حمد بن مبارك الكبير، رحمه الله تعالى، وقد عاصرت الشيخ مبارك ورأيته كثيراً سواء في ديوانه بقصره، أو خلال زيارته لنا في المناسبات التي لم يقطعها إلا عندما داهمه المرض غفر الله له، والشيخ مبارك أكبر أبناء والده الشيخ حمد بن مبارك الابن الخامس لمبارك الكبير، وهو شديد الشبه وبوالده، أطول ما يكون من الرجال، تم مؤثرا للصمت، رزيناً، ولد في العام الذي وقعت به معركة الجهراء الشهيرة سنة 1920 أثناء حكم عمه الشيخ سالم المبارك الحاكم التاسع، وكان وزيراً للأوقاف في أول حكومة كويتية بعد حصول الكويت على استقلالها، أما أول عمل له فمدير للأوقاف سنة 1959 ثم اعتزل العمل السياسي واختارته الأسرة الحاكمة عميداً لها حتى انتقل الى جوار ربه في 20 مايو 2002، وأعود من حيث بدأت فأقول: سمو الشيخ جابر المبارك ضمير حي وتواضع جم وهدوء ورزانة وحلم وأناة وعمل بلا صخب وضوضاء، كل هذه الأخلاق السامية جعلته يتدرج في سلم النجاح بكل ثقة، محافظاً فوزيراً ثم نائباً لرئيس الوزراء، فنائباً أول لرئيس الوزراء ثم رئيساً للوزراء، أعرف سموه تمام المعرفة، وجلست معه وحاورته هو كما هو لم يتغير هذا الرجل على الإطلاق، شرف مكانته ولم يتشرف بها وهكذا يكون الرجال أولو السؤدد والنظرة البعيدة، سمو الشيخ جابر لن أتدخل كما تدخل غيري بصلب عملك وتشكيلتك الوزارية فكل إنسان حر فيما يقول ولست وصياً على أحد، وسبب عدم تدخلي في ذلك أنني لست أكثر حباً وحرصاً منك على مصلحة الكويت وأهلها، ولست أكثر فهماً منك للأحداث، فأنت الكويت برمتها، وأنت أعلى عيناً بذلك، وأنا على ثقة أن اختيارك سيصب في مصلحة الكويت، كل ما استطيع فعله أو قوله أن أشد على يدك وأقول لك: سدد الله خطاك ووفقك لما فيه خير البلاد والعباد، وكنا نسمع الأجداد يقولون «ما يتقدم القوم إلا خيارها»  وأنت من خيرة القوم، ولولا كفاءتك وسدادك لما وقع اختيار صاحب السمو عليك، وأنت لها ولأمثالها.
سمو الشيخ جابر أنت غصن مورق أخضر من غصون شجرة الخير التي لا تطرح إلا الثمر الطيب، وصدق عامر بن الظرب العدواني حيث يقول:
أولئك قوم شيد الله فخرهم
فما فوقهم فخر وإن عظم الفخر
أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه
فأيديهم بيض وأوجههم زهر
يصونون أحسابا ومجداً مؤثلا
ببذل أكف دونها المزن والبحر
سموا في المعالي رتبة فوق رتبة
أحلتهم حيث النعائم والنسر
أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت
لنورهم الشمس المنيرة والبدر
انتهى حديثي
دمتم سالمين، في آمان الله.

عبارة «متلف الروح» كثيراً ما استخدمها الشعراء في اشعارهم، فهذا الشاعر الكبير أحمد الناصر الشايع يقول في أبيات له:
يا متلف الروح سدي باح
من عشرتك ويش مصلوحي
و«التلف» معناه الهلاك والعطب، لذلك قال النوخذة الكويتي عيسى ابن أحمد النشمي رحمه الله:
يا متلف الروح ما تنظر لحالي
الناس نامت وأنا عيني سهيرة
وهو بيت ضمن أبيات سامرية نالت شهرة واسعة ورددها الناس كثيراً، وسجلت للاذاعة والتلفزيون، وفي هذا البيت يخاطب الشاعر حبيبه قائلاً له: يا من أوردتني الهلاك والردى أنظر إلى الحالة المتردية التي وصلت إليها بسبب حبي الشديد لك، لم استطع النوم ولم أذق طعم الراحة، أفلا رحمت حالي، ورثيت لي من العذاب الذي أعيشه، ثم يتابع معاناته قائلاً:
يهل دمعي مثل وبل الخيالي
وأحس وسط الحشا مثل السعيره
شبه دموعه المتساقطة بكثرة «بوبل الخيالي» وهو اشتداد تساقط المطر، ولا شك ان تصويره لتساقط دموعه بانهمار المطر مبالغة إلا أن الشاعر حر فيما يقوله ويجوز له ما لا يجوز لغيره.
وتساقط دموع المحب إنما يكون بسبب هجر حبيبه له وابتعاده عنه، وهذا ما يعاني منه هذا الشاعر يشعر أن بين أحشائه ناراً مستعرة، ثم يتابع وصف الحال التي وصل إليها قائلاً:
أشق جيبي إلا منه طرالي
وأصير عقب الفرح ضيق حظيره
صورة أخرى من صور معاناته الشديدة، فاذا مر بباله هذا الحبيب شق جيبه من شدة شوقه اليه، ولا شك انه ينسى نفسه اذا تذكره، فيكون هذا التصرف لا شعورياً منه، ومن شدة حبه يصبح معكر المزاج شديد العصبية حتى وإن كان سعيدا تنقلب سعادته الى حزن وأسى، وقوله «ضيق حظيرة» يعني أنه لا يتحمل شيئاً، يغضب لأي سبب، ثم يقول:
راع الهوى ما يخاف ولا يبالي
لا صار محبور ما طاوع مشيره
من وقع في شباك الحب والعشق لا يهمه شيء، لأنه محترق بلهيب الغرام، خاصة اذا هجره هذا الحبيب ولم يسأل عنه،هذه الحالة تجعله ايضا لا يتلفت الى من يبدي له رأياً في صالحه، لأنه يريد الوصول إلى حبيبه بأي طريقة فهو لا يسمع غيره ولا يقبل النصح، ثم يقول:
بغيت لي يا هوى بالي توالي
أنا بديره ومحبوبي بديره
ليس لهذا العذاب نهاية سعيدة، ولا لندائي فائدة، لا حياة لمن تنادي، ستظل الحال ما هي عليه، قضي الأمر وبات اللقاء والاجتماع مستحيلا، لا لقاء بعد اليوم فالكتاب يقرأ من عنوانه، أنا في واد ومن أحببت في واد آخر «انتهى الشرح».
دعونا نتعرف على صاحب هذه السامرية الشهيرة، التي غنتها عائشة المرطة، ثم غناها عبدالمحسن المهنا، هو السيد عيسى احمد النشمي من نواخذة الكويت المعروفين،تولى قيادة السفن التجارية التي كانت تسمى الابوام والواحد منها البوم، وظل يعمل على هذه السفن اكثر من ثلاثين عاما، وهو اول مرشد بحري كويتي، حيث تولى ارشاد اول باخرة رست في ميناء الشويخ، كما كان قائدا ليخت الشيخ عبدالله السالم ثلاث سنوات، وقد الف كتابا ذا قيمة عالية عن الملاحة في  الخليج العربي طبع سنة 1969 وهو من الشعراء المتميزين كتب قصائد شعبية والكثير من السامريات واشهرها سامرية
«متلف الروح» وهذه الاسرة الكريمة «النشمي» برز منها رجال خدموا وطنهم بكل الاخلاص، منهم الفنان الكبير المؤسس محمد النشمي، والنوخذة احمد النشمي والنوخذة عيسى النشمي وغيرهم الكثير.
انتهى حديثي بايجاز. دمتم سالمين، في أمان الله.

هذا البيت كنا نسمعه بصوت شيخ الفنانين الكويتيين عبداللطيف الكويتي، رحمه الله «موال» قبل اغنيته الشهيرة «تريد الهوى لك على ما تريد»:
قلب المتيم كاد ان يتفتتا...
فإلى متى هذا الصدود إلى متى
والمتيم هو من استبد به الحب وذهب بعقله، هذا المتيم يشكو من تفتت قلبه، وهو الحزن الشديد، ثم يسأل هذا العاشق: فالى متى هذا الهجران والاعراض، ولم يسأل هذا السؤال إلا لطول بعده وجفائه، ثم يقول:
يا معرضين عن المشوق تلفتوا...
فعوايد الغزلان ان تتلفتا
يا من لم يكترثوا بي، وادرتم وجوهكم عني وتجاهلتموني، التفتوا لي، فمن عادة الغزلان كثرة التلفت، وما انتم الا كالغزلان، ثم يتذكر تلك الأيام الجميلة فيقول:
كنا وكنتم والزمان مساعد
عجبا لذاك الشمل كيف تشتتا
مضى وقت له معهم كان في غاية السعادة والفرح حيث رغد العيش والتواصل عن قرب، وقت لا يشوبه الكدر، يتذكر وأنا له بهم، ثم يبدي استغرابه ودهشته: كيف تشتت هذا الشمل وهذا يدل على انه لم يخطر بباله هذا التفرق، ولله شقران السلاماني القضاعي حيث يقول:
لكل اجتماع من خليلين فرقة...
وكل الذي دون الممات قليل
ثم يختم بقوله:
صد وبعد واشتياق دائم
ما كل هذا الحال يحمله الفتى
لا أمل لهذا الشاعر بعودتهم ما دام هذا الصد والبعد دائم، هو يشتاقهم الا ان هذا الشوق لا ينفعه شيئاً، بل على العكس، يؤذيه ويضاعف حزنه وهمه، وهو لن يتحمل هذا الاعراض والبعد الذي يزيده شوقا على شوق، ولا أرى له حلا إلا التمسك بحبال الصبر، هذه الأبيات لأديب شاعر من امراء المماليك في القرن الثامن الهجري، هو الأمير الفاضل: ناصر الدين محمد الأمير البدري «حسن كلي» ذكره صاحب شذرات الذهب ابن العماد الحنبلي فقال: أحد الأمراء الكبار بالديار المصرية، كان فقيها حنبليا فاضلا ذكيا، حسن الخط الى الغاية، وله اشعار رقيقة في غاية الحسن، وارخ تاريخ وفاته سنة 779هـ، أما الفنان عبداللطيف الكويتي فهو: عبداللطيف عبدالرحمن العبيد المولود في «فريج» العبدالرزاق بشرق سنة 1901م، وكان صاحب الفضل في صقل موهبته الغنائية شقيقه «عيسى» الذي كان يجيد نظم القصائد، كان صديقا للشيخ صباح الناصر المبارك الصباح منذ صغره، استفاد كثيرا من تردده على الفنان خالد البكر، وهو معلمه واستاذه، سافر الى البصرة بعد ان تكاملت فيه موهبة الغناء، وهناك سجل اول اغنية له سنة 1927م، ثم اصبح فنانا مشهورا، وهو اول فنان كويتي سجل اغانيه على اسطوانة، واول فنان كويتي سجل اغانيه في القاهرة عام 1933م، واول مطرب كويتي سجل اغانيه لاذاعات عربية واجنبية «بيروت - القدس - بغداد - دلهي - لندن» وهو اول من اقام حفلات غنائية في البلاد العربية والاجنبية، اصابه الشلل بالتدريج الى ان توفي في مستشفى الصباح عصر يوم الأربعاء 12/2/1975م.
بقي ان اقول لكم ان عبداللطيف الكويتي كان يسمى مطرب الملوك والامراء رحمه الله تعالى.
انتهى حديثي بإيجاز.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الإثنين, 06 نوفمبر 2017

«المحلل الجهبذ»

ليلة البارحة لم تكن كغيرها من الليالي التي تعودت ومن معي فيها على الخوض في الأمور الثقافية والتاريخية والأدبية، فقد تسلل إلى مجلسنا محلل سياسي وفند لنا الوضع الذي نعيشه هذه الأيام في الكويت، فتركنا له الخيط والمخيط والحبل على الغارب، فقال لنا: الوضع متكهرب ولا ينبئ بخير، ومجلس الأمة والحكومة سيرحلان معاً، وأننا سائرون إلى نقطة اللاعودة، ثم قال إن الوزير سيصبح عملة نادرة في هذا البلد، فطلبنا من هذا المحلل الجهبذ أن يوضح لنا أكثر فقال: سيأتي يوم يبحثون عمن يحمل حقيبة وزارية فلا يجدون!! قلنا له: وما الحل في مثل هذه الحالة الجديدة علينا؟ قال: يكلف الوكلاء بأعمال الوزراء!! سأله أحد الحاضرين: ما سبب رفض الوزارة وهي خدمة للوطن وكلنا أبناؤه؟ قال: كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، وقد تعرض بعض الوزراء إلى الظلم والضيم من قبل بعض أعضاء مجلس الأمة، فبأي عرف أو قانون أو دستور يجهز طرح الثقة بالوزير قبل أن يستجوب؟ ثم بعد ذلك يعدم سياسياً! ما يتعرض له الوزراء أمر لم نتعود عليه ولا يرضي أحداً، والساكت عن الحق شيطان أخرس، لا أحد يقبل بمثل هذا الوضع، ومن هنا لن يقبل أحد أن يكون وزيراً، قلنا له هذا يذكرنا بقول الشاعر المتلمس الضبعي:
ولا يقيم على ضيم يراد به
إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشج فلا يرثي له أحد
ثم قال لنا أمراً غريباً مفاده أن صاحب السمو خاطب الجميع كوالد مشفق على أبنائه، وبين لنا الأمور، وأوصى بالكويت خيراً، وطالب بنبذ الخلافات و التمسك بالوحدة الوطنية، فإما أن يكون البعض لم يستوعبوا ما قاله، أو الأخرى، وهي الطامة أن كلامه لم يعجبهم، وأتمنى أن تكون الأولى، هكذا قال لنا هذا الرجل، فأرجو ألا نكون ممن ينطبق عليهم قول المولى عز وجل: «وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون» النحل- 112، ثم طلبنا منه الزيادة ونحن فاتحو أعيننا من الدهشة فقال لنا: لا تتعجبوا سترون قريباً أموراً كثيرة قد تغيرت، وختم هذا المحلل حديثه لنا بقوله:
أرى ناراً تشب على يفاع
لها في كل ناحية شعاع
وقد رقدت بنو العباس عنها
وباتت وهي آمنة رتاع
كما رقدت أمية ثم هبت
تدافع حين لا يغني الدفاع
نظرنا إلى بعضنا البعض وكأننا ألقمنا حجراً، الناس تتحدث بأوضاع البلد، ونحن لا هم لنا إلا الأبيات السائرة ومن قالها، وما هي مناسبتها وفي أي عصر!! أيها السادة نحن لا نعرف إلا طاعة ولي الأمر، هكذا كنا ولا نزال منذ أن جئنا مهاجرين إلى هذه الأرض نبحث عن الرزق والأمن والأمان، ووجدناه فلن نبطر ولم ننزع يد الطاعة بل حمدنا الله على هذه النعمة وشاركنا في نهضة بلادنا وأبدينا الرأي لمن شاورنا، فيا من تطالعون هذه السطور أحسنوا الطاعة لولاة أموركم كما أحسنوا لكم. وأحبوا هذا الوطن الذي احتضننا جميعاً.
انتهى حديثي بإيجاز.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الأحد, 05 نوفمبر 2017

إن للصبر حدوداً

من يظن أن الحكم في الكويت ضعيف فهو واهم، ومن يفكر مثل هذا التفكير إما به لوثة بعقله أو أنه حاقد واهم ومثلما يقال في لهجتنا «مضيع طريجه» يعني قاطع جادة، لقد عجز المقبور صدام حسين بجيوشه الجرارة عن هدم أركان الحكم ودارت الدوائر عليه والعالم كله يعرف نهايته، «اللهم لا شماتة»، وإن قال قائل: الشعب الكويتي وقف مع نظامه أقول له: لا فض فوك، ودحر شانئوك، لو كان غير هذه الأسرة لما وقفوا معها وأجمعوا إجماعاً تاماً عليها، وهذا دليل على قوة النظام، وعلينا أن نعرف جميعاً أن الشعب الكويتي في ضمير ووجدان وقلب كل من حكم الكويت منذ صباح ابن جابر الأول الى صباح الرابع أمير دولة الكويت، ومع ذلك أقولها صريحة فصيحة إنه آن لنا أن نرعوي فإن للصبر حدوداً، فالحلم والحكمة وعاء متى ما استفرغ انقلب الحلم إلى غضب والحكمة إلى شدة، وقد قالوا في الأمثال «اتق شر من أحسنت إليه»، لقد بايعنا نحن أبناء الكويت هذه الأسرة على السمع والطاعة ولن ننزع يد الطاعة حتى وإن قطعت أيدينا ولن تقطع أيدينا حتى تقطع اياد كثيرة، لقد رزقنا الله خيراً كثيراً وأمناً وفيراً ودستوراً وأميراً ومجلس أمة وحرية الحديث بما نشاء دون خوف، والكويتي مكفول من المهد إلى اللحد، أفلا حمدنا الله تعالى على هذه النعمة. يقول الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
البيت لا يبتنى إلا على عمد
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
فينا معاشر لم يبنوا لقومهم
وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم
فالغي منهم معا والجهل ميعاد
إذا تولى سراة القوم أمرهم
نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر
لهم عن الرشد أغلال وأقياد
لقد أخلص ولي الأمر لنا النصيحة وخاطب الجميع كوالد للجميع ووضح لنا الأمور على وجهها، فلا بارك الله بمن لم ينتصح، ونحن نعرف الأمور من ألفها إلى يائها ولا تخفى علينا خافية ولكنا نتكلم بما هو سائغ ومقبول ولا نتجاوز ادب الحوار ولا نحيد عنه، يقول المتنبي:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم
احفظوا الكويت فلا كويت ثانية حتي لا يأتي يوم نقول فيه: وكويتاه ولا كويت لنا، اتقوا الله في هذا الوطن فوالله ما تعرض له أحد بسوء منذ أن قام إلا وأحاط به المكر السيئ، ونحن نعلم أن المقبور صدام لم يجتح الكويت إلا عندما اختلفنا، ولقد محضت لكم النصيحة وصدقتكم القول والله من وراء القصد. انتهى حديثي. دمتم سالمين وفي أمان الله.

الأصدقاء ثلاثة, الأول كالغذاء, لا تستغني عنه, والثاني كالدواء تحتاجه في حال مرضك, والثالث كالداء تفرح اذا تشافيت منه.
وفي الصداقة يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه:
سلام على الدنيا إذا لم يكن فيها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا
وفي هذا الزمان قلما تجد صديقا مصافيا, لأن أشغال الناس وتجارتهم أصبحت هي الشغل الشاغل لهم, فالصديق المصافي أصبح اشبه ما يكون بالعملة النادرة, وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بحسن اختيار الصديق فقال «المرء على دين خليله, فلينظر احدكم من يخالل» وحتى لا يندم يوم لا ينفع الندم فيقول «ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا» 28 - الفرقان يقول الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه
فكم من جاهل أودى
حليماً حين آخاه
يُقاسُ المَرْءُ بالمَرْءِ
إذا ما هُوَ ماشاهُ
دعونا نتأمل ونتدبر بيت الشعر المشار اليه في البداية:
وإذا صفا لك في زمانك واحد
فدع الأنام وعش بذاك الواحد
هذا البيت فيه تبرم من قلة وفاء الأصحاب وهو بيت شعر مجرب, جرب الأصحاب وعرف غثهم من سمينهم فأحب ان يسدي النصيحة لغيره, حتى لا يقعوا بما وقع به من قلة وفاء الأصحاب, وبيت الشعر هذا من الأبيات المشهورة التي يجهل الكثير من الناس صاحبه, وهو الخليفة العباسي السادس محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبدالله المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم أبو عبدالله «193 - 198هـ» أمه «أمة الله» زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور, ابنة عم أبيه هارون الرشيد, وبذلك يكون ثالث خليفة هاشمي الأبوين, الأول علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم, والثاني الحسن بن علي بن أبي طالب أمه فاطمة بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, يقول محمد الأمين:
زر من تحب ودع مقالة حاسد
ليس الحسود على الهوى بمساعد
وإذا صفا لك في زمانك واحد
فدع الأنام وعش بذاك الواحد
والعجب ممن ينسبها إلى الامام علي وحاشا لله ان تكون له, وفيها من الغزل الصريح الشيء الكثير مثل:
لم يخلق الرحمن أجمل منظر
من عاشقين على فراش واحد
متعانقين عليهم حلل الرضا
متوسدين بمعصم وبساعد
وبالعودة إلى محمد الأمين فقد ولد عام 170 هـ وأتته الخلافة حسب قول ابن كثير بمدينة السلام بغداد لثلاث عشر ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة للهجرة ويعد الأمين اول خليفة عباسي يقتل قتلا رحمه الله تعالى, قتله رجل يدعى قريش الدنداني وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين قائد جيش عبدالله المأمون, والحديث عن الفتنة بين الأمين والمأمون طويل من أراد الاستزادة فليطالع تاريخ الطبري وابن كثير وغيرهما, كان الأمين جميل الصورة للغاية, طويلا, شديد الكرم, شاعراً خطيبا إلا أن أيامه لم تطل, وفيه يقول الحسن بن هانئ أبو نواس:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا
فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى
فلها علينا حرمة وذمام
رفع الحجاب لنا فلاح لناظر
قمر تقطع دونه الأوهام
ملك إذا عقلت يداك بحبله
لا يعتريك البؤس والإعدام
ملك توحد بالمكارم والعلى
فرد فقيد الند فيه همام
ملك أغر إذا شربت بوجهه
لم يعدك التبجيل والإعظام
فالبهو مشتمل ببدر خلافة
لبس الشباب بنوره الإسلام
قال ابن الجوزي: ولد الأمين برصافة بغداد سنة احدى وسبعين ومائة للهجرة, وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة فكانت خلافته أربع سنين, وسبعة أشهر واياما, كان كثير الادب شاعرا, يعطي على الشعر جوائز كثيرة, وكان هارون الرشيد أيام خلافته قد عهد بالخلافة من بعده لابنه محمد الأمين ثم عبدالله المأمون ثم المؤتمن قاسم, وزوى الخلافة عن ابنه المعتصم محمد لأميته إلا ان المعتصم نال الخلافة بعهد من أخيه المأمون الذي ازاح المؤتمن بعد قتله الأمين, وحصرت الخلافة في المعتصم وذريته حتى سقطت الدولة العباسية سنة 656هـ, وكان أول خلفائهم أبا العباس السفاح عبدالله بن محمد, وآخرهم عبدالله المستعصم بالله.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين في أمان الله

لست ضد الديمقراطية، ولا ضد مجلس الأمة، ويعلم المطلع على تاريخ الكويت اننا في مجلس أمة منذ أن كانت الكويت «كوتا»، فنحن متمسكون بها، الأخ العزيز محمد العبدالله المبارك كفاءة خسرناها، ثم إنه ابن شخصية مهمة في تاريخ الكويت الشيخ عبدالله المبارك، رحمه الله، وكل من يقول «أنا كويتي أنا» يعرف من هو هذا الرجل، وإني والله لأدهش ممن يقول ان أداء محمد العبدالله ضعيف خلال استجوابه في مجلس الامة، فالناس يأخذون الحيثيات ويتركون صلب الموضوع وأساسه، أيها السادة اعرف محمد العبدالله متحدثا من الدرجة الاولى لا يخونه التعبير، ولكن حاله ذاك اليوم يشبه إلى حد بعيد قول المتلمس:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته
إن الذليل الذي ليست له عضد
ومن يعرف هذا الرجل يعلم تمام العلم أن الوزارة لم تضف له شيئاً، ولم تغير طباعه وأخلاقه، وهو أكبر شأنا من الوزارة، ولن يضره خروجه منها ولله در النابغة الذبياني حيث يقول:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقي مربض المستنفر الحامي
لو كانت وقفة الحكومة حازمة معه لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. دهشتي الثانية أن السادة أعضاء مجلس الأمة المحترمين بمجرد خروج صاحب السمو من مجلس الأمة بدأوا استجوابهم، أليس هو من أوصاكم قبل قليل بوحدة الصف، وقال لكم ان وضع المنطقة خطير للغاية أم انكم حريصون على مصلحة الكويت، لهذه الدرجة؟ فما الضرر في تأجيل الاستجواب؟ أليس من الافضل للجميع التريث وعدم الاستعجال في هذا اليوم أم ان الاستجوابات اصبحت أهم، ثم اني اسأل في حيرة من أمري: ما هذا التسلط على أبناء الأسرة الحاكمة من الوزراء، أوليسوا أبناء الكويت؟ ما الفائدة لكم لو حل مجلس الأمة؟ يقول الأفوه الأودي:
تهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشرار تنقاد
أنا لا أعمم هذا الأمر، وقد اعجبت بالنائب فيصل الكندري المعجون بحب الكويت حيث قال: سحبت استجوابي لوزير النفط احتراما لتواجد صاحب السمو، لقد طالب أمير البلاد بجملة صريحة واضحة قال فيها: نريد تصويب مسار العمل البرلماني، هل استوعبتم ذلك ايها السادة؟ ثم قال: أنتم مطالبون بوفقة تأمل وتقويم لمسيرتنا الديمقراطية ومعالجة سلبياتها، ومظاهر الانجراف فيها، هل فهمتم الدرس، وأقول: مصلحة الكويت وامنها الوطني فوق كل شيء وهي بحاجة لوحدة الصف، ورغم أني قطعت على نفسي عهدا ألا اكتب بالسياسة إلا أن الامر يستحق ان اكتبه، وهي وجهة نظر، من أراد أن يقبل بها اهلا وسهلا ومن لم يرد فأهلا وسهلا أيضا، وقد أدليت بدلوي كغيري من الكتاب، وفي النهاية أقول ما قاله نصر ابن سيار:
أرى خلل الرماد وميض جمر
ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى
وإن الحرب أولها الكلام
انتهى حديثي، ودمتم سالمين.

الصفحة 6 من 41