جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

الخميس, 21 يناير 2016

من أوراقي الخاصة «2»

سبحان الله، صرت أنسى وأذكر نفسي فأتذكر لأن الإنسان إذا تقدم به العمر بدأ «يقط خيط وخيط»، قلت إنني دخلت مكتب وزير الإعلام في تلك الفترة فوجدت بانتظاري الشيخ دعيج الخليفة ابوخليفة، الله يذكره بالخير، والسيد فيصل الجوعان بوغازي، الأول مدير الإدارة والثاني نائب المدير، وأخبراني بأن سمو الشيخ ناصر المحمد بانتظاري.

دخلت على سمو الشيخ ناصر، وبعد السلام سألني عن سبب عدم حضوري مؤتمره الأسبوعي الذي يقيمه، فذكرت له أعذاراً أحس أنها واهية، وقال لي: أنا أعرف ليش انقطعت عن الحضور وسألت وعرفت أن السبب عدم إجازة نصك المسرحي، فقلت: ما تقوله صحيح طال عمرك وأنا ابن هذا التراب أباً عن جد، وأنت أعلم الناس بالتضحيات التي قدمها أجدادي في سبيل هذا الوطن العزيز، فهل ابن هذا الوطن الذي عرفت أسرته بالإخلاص له يسعى إلى الإضرار به؟ الكويت يا شيخ ناصر أمي وأبوي وخالي وعمي والهواء الذي اتنفسه، هل اكتب ما يسيء إليها؟ ابتسم وقال: أعرف كل ما ذكرت وأعلم أنك صاحب قلم نظيف وأنك لا يمكن بأي حال من الاحوال أن تكتب ما يضر مصلحة الوطن، ثم نادى بالقهوة، فعرفت أن الأمر قد قضي، وفعلا قضي الأمر، وبينما أنا أشرب القهوة وأتحدث مع سموه بأمور الصحافة إذا برجل يدخل ويعطي سموه ورقة ويخرج فناولني أبوصباح الورقة فتأملتها وإذا بها إجازة مسرحية الدكتور صنهات، ففرحت فرحاً شديداً لأن ما فكرت به وذكرته لكم في الزاوية السابقة بدأ ينفذ على أرض الواقع وهي الخطوة التي لها ما بعدها، ثم قال لي سمو الشيخ ناصر: إحنا نشجع الشباب الكويتي اللي مثلك ونذلل لهم المصاعب ونهيئ لهم فرص النجاح لأن نجاحهم نجاح للكويت وانتوا عماد المستقبل، توكل على الله وسر في طريقك لا تبالي بشيء وضع الكويت بين عينيك وإن أردت شيئاً فباب مكتبي مفتوح لك لا تستأذن من أحد، ادفع الباب وادخل، هذا ما دار بيني وبين ناصر المحمد، فكان موقفاً مشرفاً لسموه تجاهي، ولم أنس هذا الموقف في يوم من الأيام وهو يعرف ذلك تمام المعرفة، خصوصا وأنني ذكرت ذلك في عدة مقابلات صحافية وتلفزيونية عندما بدأت بالعمل في المسرحية، وقد قرأها، أو قرئت له، لا أعلم ذلك، ولكني التقيت به في ديوان سمو الشيخ سالم العلي بعد أن ترك الإعلام وأصبح وزيراً للديوان الأميري، وقال لي: أنا على خبرك وعند ظنك في أي موقع. لذلك لن أنسى ما فعله معي، فالحطيئة العبسي يقول:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

ولست ممن ينسى المواقف النبيلة، وأقولها صريحة: إن نصف نجاح مسرحية الدكتور صنهات كان سببه وقوف سمو الشيخ ناصر إلى جانبي، ولا أرى له شبها إلا قول أبونخيلة لمسلمة بن عبدالملك:

شكرتك إن الشكر حبل من التقى

وما كل من أوليته نعمة يقضي

واحييت لي ذكرى وما كان خامداً

ولكن بعض الذكر انبه من بعض

بعد ذلك أيها الأحبة أصبح نصي مجازا، ما الذي أفعله، كيف أتصرف، أبيع النص وآخذ ثمنه؟ إذا بعته فهو الغبن، بنات أفكاري جهدي ومثابرتي، عمل لأول مرة يطرح في تاريخ المسرح يأخذه غيري لقمة هنيئة مريئة؟! لا أريد أن أندم، لا أريد ليت ولعلني ولم ولا.

ولكن في المقابل العملية ليست سهلة وإنما هي في غاية الصعوبة، شاب في العشرينات من عمره يقدم على مثل هذه الخطوة! وحتى إن قررت القيام بعملية إنتاج المسرحية فمن أين لي المال الذي تتكلفه هذه المسرحية، راتبي لا يتجاوز الخمس مئة دينار والموضوع يحتاج إلى ما لايقل عن عشرة آلاف دينار، وهو مبلغ كبير في تلك الأيام، ما الذي أفعله، كيف أتصرف؟ صرت بين الإقدام والإحجام ولسان حالي يقول ما قاله الأمير عبيد العلي الرشيد:

اضرب على الكايد ليا صرت بحلان

وعند الولي وصل الرشا وانقطاعه

سأكمل لكم ما تبقى قريباً إن كان في العمر بقية.

الأربعاء, 20 يناير 2016

من أوراقي الخاصة «1»

كنت في بداية شبابي صحافياً نشطاً أمارس عملي بكل همة دون كلل أو ملل، أقابل المسؤولين وأنجز السبق الصحافي أنا وأبناء جيلي من زملاء دربي، رغم كثرة العراقيل الموضوعة أمامنا، إلا أن مساحة الحرية تحفزنا على الإبداع وفرض أنفسنا، والصحافة الكويتية في تلك الآونة كانت الأولى على مستوى المنطقة، ومع عملي الصحافي كنت أكتب المسلسلات لدراما الإذاعة الكويتية، وأقدم بعض البرامج ولدي موهبة التأليف، وكونت علاقة طيبة مع الفنانين الكويتيين من الجيل الأول والجيل الثاني، وكان أكثرهم صداقة وصدقاً لي الفنان والمخرج المتميز كاظم القلاف، رحمه الله، والفنان الكبير جاسم النبهان. بدأ الوسط الفني يعرفني كناقد فني ومؤلف في بداية الطريق، وأذكر أيضاً أن الكتاب هو صاحبي في المنزل، لا يفارقني أبداً، ومن شدة حبي لكتب الأدب والتاريخ صارت عندي مكتبة ضخمة، ففي هذه الفترة من الزمن تراودني فكرة الإقدام على تجربة لها ما بعدها، أقول لنفسي: الإنسان لابد أن يترك بصمة في حياته ليتذكره الناس بها بعد رحيله، وإلا فهو إنسان عادي، حاله كحال غيره، كل إنسان ناجح ترك شيئاً لا ينساه الناس، فأنى لي هذا؟ كانت هذه الفكرة تراودني وتشغل بالي وتقلقني، وفي خضم هذا التفكير لا يفارقني القلم والورقة، نظرت الى تاريخ المسرح الكويتي فوجدت أنه ينقصه شيء!! ما هو هذا الشيء؟ هذا الشيء هو مسرحية بدوية بالكامل من الألف إلى الياء، هذا العمل ليس موجوداً في تاريخ المسرح الكويتي، ولا على مستوى المنطقة فوجدت أن الفرصة سانحة جداً، والمجال مفتوح، ولكن لابد من كتابة نص هادف، يعالج مشكلة حقيقية، فبدأت بالكتابة، ومن شدة حبي لفكرة المسرحية كانت تعن لي جملة، فأقف بسيارتي على جانب الطريق وأدونها، أكتب في البيت وفي الجريدة وحتى في الديوانية حتى أنهيت النص بالكامل، أعدت قراءته مرات عدة وعدلت عليه وأضفت بعض المواقف الكوميدية، المهم أن العمل صار مكتملاً، بقي الاسم، عنوان المسرحية، ومثلما يقولون: الرسالة تقرأ من عنوانها، لابد من اسم لافت وجاذب وغير ذلك فكأنك يا أبا زيد ما غزيت، وفقني الله سبحانه وتعالى لاسم يتماشى مع الفكرة وهو: «الدكتور صنهات». لم يبق لي إلا أن أتقدم إلى إدارة الرقابة في وزارة الإعلام لأحصل على إجازة النص، وبحكم عملي في الصحافة كنت أعرف كل المسؤولين هناك فتقدمت بها وانتظرت الرد منهم، ومرت الأيام والشهور بلا حس ولا خبر، في هذه الفترة صدر المرسوم بتعيين سمو الشيخ ناصر المحمد وزيراً للإعلام، كانت علاقتي به طيبة للغاية ألتقيه كل اثنين في الوزارة، ثم آكل الزبيدي الكويتي في قصره بالشويخ ثم إنه يزور والدتي، رحمها الله، بشكل دوري، إلا ان الخجل منعني من مفاتحته بموضوع المسرحية، قلت في نفسي لم لا أذهب الى الرقابة وأستفسر عن سبب تأخر إجازة نصي؟ ذهبت فأعطيت ورقة بها عشر نقاط مختصرها التغيير بالنص تغييراً يفقده جماله وقوته، فتركت الورقة عندهم وقلت لا أريدها، وخرجت من مبنى وزارة الإعلام، ولم أعد اليها وانقطعت عن الملتقى الصحافي الذي يقيمه سمو الشيخ ناصر المحمد كل أسبوع، فافتقدني وسأل عني زملائي الصحافيين فقالوا له إنني تركت مهمة تغطية مؤتمره الصحافي لزميل لي، فأحس أن في الأمر شيئاً والواضح أنه جاءه من أخبره بموضوعي، وفي صباح يوم إذا بمسؤولي في العمل وقد توفي، رحمه الله، إذا به يقول لي: «الحق يا مشعل وزير الإعلام يبيك على التلفون» جئت وحملت سماعة الهاتف فإذا بسمو الشيخ ناصر المحمد نصره الله في الدنيا والآخرة،يقول لي: اركب سيارتك وتعال إلى مكتبي في وزارة الإعلام. وبما أن المزاح بدمي قلت له ما عندي سيارة يابوصباح بركب تاكسي، وإذا وصلت تعطيني كروة التاكسي. فضحك وقال حاضر، ركبت سيارتي مزهوا وأنا أقول لنفسي منو قدي، وزير الإعلام مطرش علي، أضعف الإيمان بيعطيني مصرف ثلاث شهور. لم أكن أعرف ما يريده سمو الشيخ ناصر لكنني جازم بأن وجه الخير لا يأتي منه إلا الخير.

دخلت وزارة الإعلام التي لم أدخلها لفترة ليست بالقليلة بسبب عدم إجازة نصي، وصفطت سيارتي متعمداً بجانب سيارة الوزير، ويا ويلك ياللي تقولي وخر سيارتك، وصعدت بأسانسير الوزير ودخلت فإذا أمامي الشيخ دعيج الخليفة، وهو مدير مكتبه، بوخليفة الله يذكره بالخير، والسيد فيصل الجوعان فأخبراني بأن الشيخ في انتظاري، وسألاني: ما سبب تأخرك؟ فقلت لهما: أنا جاي من الجهرا مو من الشامية.. قريباً أكمل إن كان بالعمر بقية.

دمتم سالمين.

الثلاثاء, 19 يناير 2016

قلعة وادرين!!

معظم الألفاظ الكويتية القديمة مأخوذة من اللغة العربية، ومن يقل غير ذلك مال عن الصواب وكلف نفسه مالا تسع، وقبل أن أدخل في صلب الموضوع سأذكر لكم بعض الأمثلة، فالناس تقول «جذيه» وهذه الكلمة أصلها: كذا ويقولون «هذولا» والأصل: هؤلاء، و«هذولاك» والأصل أولئك، و«لنّك» بالتشديد على النون والأصل: لأنك وأيضا «منيه» والأصل: من هنا و«منّاك» والأصل من هناك و«منين لي» والأصل: من اين لي، وسر على هذا المنوال حتى تمل.

ومن الكلمات القديمة قول الناس في الماضي: تودرنا، وهي كلمة مستخدمة حتى هذه الأيام، ويقولون: ودرناهم وتودّر وودّرته، وهذه الكلمات نخاطب بها المذكر. اما المؤنث فنقول: تودرت للمفرد وودرناها، ومن هنا كنا نسمع كثيرا قول الناس: قلعة وادرين - هذه العبارة نفهم ان معناها «روحة بلا ردة» ولكن لا نعرف ما المقصود بقلعة وادرين مع كثرة سماعنا لها فيقول الرجل: فلان راح وافتكينا منه، قلعة وادرين، ومن هذه العبارة اخذت كلمة ودرناه وودره، والعجيب ان معنى كلمة ودره في اللغة العربية هو نفس معناها في اللهجة الشعبية، ولا يختلف المعنى كثيرا لأن معنى ودره بالشدة المفتوحة على الدال: اساء اليه وتجاوز الحد في تعنيفه وسلّط عليه لسانه او ما شابه ذلك من معان قريبة، وهو المعنى في اللهجة، أما إذا عدنا الى اللغة العربية فنجد أن معنى ودره: أوقعه في مهلكة- بتليث اللام- وأغراه بما فيه هلكته، ويقال: ودر الشيء بمعنى نحاه، وبعّده، ويقال في اللغة أيضاً: ودر وجهك عني، اي أبعده عني، وودره ماله اي أسرف فيه.

أما قولهم قلعة وادرين التي ذكرتها آنفا فلها قصة تستحق الذكر لأننا دائما ما نتبع كلمة قلعة بوادرين، ومنها نقول: الوجه الودر، وهو الشخص غير المرغوب فيه البتة، وعندما نقول: قلعة وادرين فنحن نعني: عساه ما يرجع. او كما نقول: «دفعة مردي» والواقع ان كلمة او عبارة: قلعة وادرين لم تأت عبثا وإنما هي فعلا قلعة اسمها قلعة وادرين، وأقرب ما تكون من الحصن وهي قلعة بناها العثمانيون في منطقة تبوك في المملكة العربية السعودية قبل أن تقوم هذه الدولة بسنين طويلة، وفي هذه القلعة المكروهة يسجن الثائرون على الدولة العثمانية، وقد شيدت هذه القلعة المشؤومة عام 679هـ الموافق 257م أي بعد انهيار دولة بني العباس بستة وعشرين عاماً، وكان الناس في تلك الأيام يكرهون ذكر هذه القلعة لأنها منفى للعصاة والذاهب الى هذه القلعة مفقود والخارج منها مولود، وقلعة وادرين في الأصل محطة لسكة الحديد ومخزن للسلاح والعتاد، وبها فرقة من الجنود الأتراك الأشداء ومن هذه القلعة ينقل السلاح الى ميادين القتال في جزيرة العرب، ما جعلها سجنا لأسرى الحرب من ابناء الجزيرة العربية الذين يسجنون فيها برهة من الزمن ثم ينقلون الى عاصمة الخلافة العباسية استانبول، او كما كان اسمها في الماضي الاستانة، وقلة قليلة من الأسرى من ينجو ويخرج من قلعة وادرين سالماً لأنهم يعذبون بأنواع العذاب فيها، ولم تكن هذه القلعة للأسرى فقط، ولكن لكل معارض لهم، ومصيرهم الإعدام أو السجن، وقد قامت حكومة المملكة العربية السعودية بترميمها أكثر من مرة، لذلك كان الناس يقولون ومازالوا: قلعة وادرين. والسواد الاعظم منهم لا يعرف ما وراء هذه العبارة من معنى، أما اذا قلنا «انقلع» لوحدها، فالمعنى هنا: اذهب لا أريد أن أراك. وأحيانا يقال بدلا من «انقلع»: فارج، وقد قبلت القاف هنا الى جيم حسب اللهجة الدارجة، وإلا فهي «فارق» بالأمر, وانقلع في لهجتنا مغايرة لمعنى قلعتك التي تقال للتشفي.

الإثنين, 18 يناير 2016

أم الركب

كنت كثيرا ما أسمع الناس يقولون: أم الركبْ. ولا أدري ما معنى هذه العبارة حتى انني كنت اظن انها مرض يصيب ركبة الإنسان، بعد ذلك عرفت معنى أم الركب، وهي رهبة يشعر بها الإنسان كقول العرب: عُقِر الرجل. تدرون متى عرفت ما تفعل ام الركب بالإنسان؟ عرفتها وأنا أقف أمام أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد- رحمه الله- بلا حواجز. أقولها صريحة وتذكر لهذا الأمير الرائع، طيب الله ثراه، فعلاً حاشتني أم الركب وأنا أراه أمامي في مكتبه القديم، ولهذه الوقفة حكاية، فقد كنت طالبا في الرابع الثانوي فطرحت وزارة التربية مسابقة على مستوى طلاب الرابع الثانوي لأفضل بحث تاريخي، فكتبت البحث وكنت مولعاً بالتاريخ، وكنت واثقا بفوزي، فكان لي ذلك، فزت بالمركز الاول وعلمت بفوزي فانتظرت ان تطلبني وزارة التربية لتعطيني مبلغا محترما من المال، وإذا بوالدتي رحمها الله تقول لي إن الديوان الأميري طلب حضورك غدا، ولم أكن أحمل «ليسن سيارة» فأخذت سيارة أخي طلال وجازفت وذهبت الى الديوان الاميري، فوجدت امامي السيد سعود الطلب، وكان وكيلا في وزارة التربية، والسيد خالد الحربان مدير ادارة الأنشطة في ذلك الوقت، ولا اذكر البقية، جلسنا قليلا والرهبة تنتابني، ثم طلب منا سكرتير الامير «المشاري» رحمه الله ان ندخل، فدخلنا على الامير وسلمنا فطلب منا الجلوس والابتسامة تملأ وجهه، رحمه الله، ثم نظر الينا واحدا واحدا، وحين وقع بصره علي أشار الي بيده مبتسما وقال: انت مو من السعيد؟ فوقفت إجلالا واحتراما له، وهنا حاشتني ام الركب وعرفت شنو ام الركب، فأردت ان اقول نعم فقلت «نع» وظلت الميم تتلجلج في صدري ولا تخرج حتى خرجت اخيرا فقلت نعم طال عمرك، فقال رحمه الله: الشبه مبين، قول يا ولدي، تكلم شعندك انا مثل والدك. هذا اول لقاء لي مع الشيخ جابر، أما آخر لقاء لي معه فكان في قصر بيان وصليت خلفه الظهر ومعي صديق طفولته أبو فلاح الدويش وأحد أبنائه ولا أذكر اسمه وسكرتيره فقط، وكنت قد اهديته كتابي التاريخي بيت سائر- الجزء الأول، وقد شكرني رحمه الله على الإهداء لأنه يحب التاريخ العربي والاسلامي والأبيات العربية السائرة، ولاشك انني التقيت الأمير بين هذين اللقاءين وكنت أحبه كثيراً لأنه شجعني في اللقاء الأول اللي حاشتني فيه أم الركب وقال لي: استمر في تتبع التاريخ لأنك ستجد فيه ضالتك المنشودة. الحديث عن الشيخ جابر الأحمد وتاريخه في متناول الجميع، اضغط على الانترنت وتجد كل شيء، ولكن جابر العثرات إن وجدت تاريخه في هذه الوسائل المتطورة فإنك حتماً ستجد محبته في القلوب باقية تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، هذه الوسائل لن تقول لك ما تقوله قلوب الناس صغيرها وكبيرها، وقد رأيت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير دولة الكويت تغالبه دموعه وهو يفتتح استاد جابر، وكانت إلى جانبي ابنتي «هيا» فسألتني: ليش يبكي بابا صباح يبه؟ قلت لها: تذكر شقيقه ورفيق دربه الشيخ جابر، رحمة الله عليه. كان جابر الأحمد بطلاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى لأن الحوادث التي جرت في عهده حوادث جسيمة لا تتحملها الجبال، ولو أخذت حدثين في تاريخ حكمه لقلت كيف تحمل هذا الإنسان، حدثين من جملة حوادث عصفت بالكويت، الأول المحاولة الآثمة لاغتياله والتي نجا منها بأعجوبة في 25/5/1985، والحادثة الثانية الفظيعة الغزو الصدامي لدولة الكويت، لو لم يكن هذا الرجل مؤمناً صابراً محتسباً شجاعاً واثقاً بربه لكان أمر آخر. أليس من تحمل هذه الكوارث ببطل؟ سمي أمير القلوب وهو كذلك لأن قلوب أهل الكويت مفعمة بحبه حتى كتابتي هذه السطور، هو حقاً جابر العثرات وجابر الفزعات وجابر الملمات، عندما وقفت أمامه للمرة الأولى كان لسان حالي يردد قول اعشى قيس:

رأيتك أمس خير بني معدّ

وأنت اليوم خير منك أمس

وأنت غداً تزيد الضعف ضعفاً

كذاك تزيد سادة عبد شمس

وإنني والله لا ألام في محبتي الشديدة لجابر الأحمد، رحمه الله، فكل شعبه يحبه، وربما  أحبه البعض اكثر من محبتي له، وأتمنى على كل من قرأ هذه الزاوية ان يترحم على جابر الأحمد وأن يدعو له بأن يكون منزله الفردوس الأعلى بإذن الله تعالى، فلن ترى الكويت ولا أبناؤها مثل جابر، رحمك الله أبا مبارك وغفر لك، هذا ودمتم سالمين.

الأحد, 17 يناير 2016

إخذ وخل

في الماضي وحتى وقت قريب كنا كثيرا ما نسمع في مجالس كبار السن، عبارة «اخذ وخل» وربما حذفوا الالف وقالوا: «خذ وخل» وعندما يضعونها في جملة يقول فلان اخذ وخل، فما المقصود بجملة فلان اخذ وخل؟ ان اردتم المعنى الشعبي فهو ان فلانا هذا - موتكانه - فهي تقال للانسان الذي يكذب في حديثه، وليس هذا المعنى عام لأنه ربما قال عشر جمل، خمس منها كذب والباقي صدق فيها، فاذا قال الرجل لصاحبه: دير بالك من فلان تراه اخذ وخل، فهو يقصد ألا تصدق فلانا إذا حدثك، وربما وصف من يخلف وعده بأنه أيضا: إخذ رخل وحتى الشخص الضعيف يقال له: اخذ وخل، اما الاشهر فهو أن يوصف باخذ وخل قليل الصدق، حتى قالوا بعد ذلك: يفوتك من الكذاب صج واجد لأنه عرف بأنه غير صادق لذلك هذا الرجل ربما يصدق بعض الاحيان الا ان كثرة كذبه تجعلك لا تصدقه، لذا كانوا يقولون: فلان اخذ وخل اذا سولف عليك اول فوج انثره وثاني فوج انثره، لك عليه، والكذب لا علاج له، وقد روى ابو بكر الصديق عبدالله بن عثمان ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اياكم والكذب فانه مع الجور في النار» وقد روي ان الشاعر العباسي أبا دلامة: زند بن الجون دخل على الخليفة العباسي محمد المهدي وهو يبكي بكاء مرا فقال له المهدي: مالك يا ابا دلامة لم تبكي؟ فقال ابو دلامة: ماتت زوجتي ام دلامة يا امير المؤمنين، ماتت يا مولاي وتركتني وحيدا. ثم قال:

وكنا كزوج من قطا في مفازة

لدى خفض عيش ناعم مونق رغد

فأفردني ريب الزمان بصرفه

ولم ار شيئا قط أو حش من فرد

فرحمه المهدي ورثى لحاله وأمر له بثياب وطيب ودنانير وجارية فخرج ابودلامة ثم دخلت زوجته أم دلامة على زوجة المهدي الخيزران تبكي وتولول فسألتها عن سبب ذلك فقالت لها وهي تبكي: مات زوجي أبو دلامة فاستعبرت الخيزران وأعطتها مثلما اعطاها المهدي ولما التقى المهدي بزوجته الخيزران عرفا حيلتهما وضحكا. وعلى ذكر أبي دلامة فقد دخل على السفاح عبدالله اول خلفاء بني العباس وكان يستظرفه فقال له: سلني حاجتك؟ فقال أبودلامة: اريد كلبا يا امير المؤمنين. فغضب السفاح وقال له: اقول لك سل حاجتك وتقول اريد كلبا! فقال ابودلامة: لمن الحاجة يا امير المؤمنين؟ فقال الحاجة لك، قال: اريد كلبا. فقال: اعطوه كلبا، ثم التفت اليه وقال: وماذا؟ قال ابودلامة: دابة أتصيد عليها، قال: اعطوه دابة، قال ابودلامة: وغلام يعيد بالكلب ويقوده. قال: اعطوه غلاما. فقال ابودلامة: افلا يحتاج هؤلاء الى جارية؟ قال: بلى، اعطوه جارية، تصلح له الصيد وتطعمه. فالتفت الى السفاح وقال: مولاي جعلني الله فداءك، هؤلاء عبيدك لابد لهم من دار يسكنونها وإلا سكنوا بالعراء! قال: اعطوه دارا لهم، فقال: وان لم تكن لهم ضيعة من اين يعيشون؟! قال: اعطيتك 100 جريب (3 آلاف فدان من الارض عامرة)، و100 جريب غامرة، فقال ابودلامة: العامرة أعرفها يا مولاي فما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيها!

فقال: وانا يا امير المؤمنين وهبتك 500 ألف جريب غامرة من فيافي قومي بني اسد. فضحك السفاح وقال: اجعلوها عامرة لابي دلامة. فانظر كيف بدأ بكلب الى ان وصل الى ما وصل اليه، اما أبو العباس السفاح فهو اول خليفة عباسي واسمه: عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم العباسي الهاشمي القرشي، وهو الذي قضى على آخر خليفة اموى: مروان بن محمد بن مروان، وأمه رايطة بنت عبيد الله الحارثي من بني عبد المدان ملوك اليمن قبل الاسلام. وكان مولده بالأردن في الحميمة سنة 105 للهجرة، وهو اصغر من اخيه ابي جعفر المنصور بعشر سنين الا انه تولى الخلافة قبله بوصية الامام ابراهيم الاخ الاكبر لهما وكان عمره عندما تولى الخلافة 27 سنة، وكان طويلا جميلا مفرط الكرم شجاعا وقورا مهيبا، وهو اول خليفة يعطي الف الف درهم وهبها لشيخ بني هاشم في وقته عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب، وقد توفي السفاح بمرض الجدري سنة 136 للهجرة وكان عمره قد تجاوز الثلاثين بقليل، أما مدة خلافته فهي 4 سنين و8 اشهر ويومان، ومن العجائب التي تروى انه نظر في المرآة وكان من اجمل الناس وجها فقال: اللهم اني لا اقول كما قال سليمان بن عبدالملك: انا الملك الشاب، ولكني اقول: اللهم عمرني طويلا في طاعتك ممتعا بالعافية، فما اكمل كلامه حتى سمع غلاما يقول لغلام: الاجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامهما وقال: حسبي الله، لا قوة الا بالله، عليه توكلت، وبه استعين. فما مضت الأيام حتى اخذته الحمى وتوفي بعد شهرين وخمسة ايام - رحمه الله.

الجمعة, 15 يناير 2016

السكارى

عنوان هذا الموضوع غريب، وربما يكون لافتاً للنظر، ولكن القصد من كلمة «سكارى» ليس معناها الدارج، بل هل أمر آخر، فإن الله سبحانه وتعالى يصف أهوال يوم القيامة وأحوالها في سورة الحج بقوله عز من قائل: «يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». وهذا ما أردت أن أقوله لكم، فالسكارى الذين أتحدث عنهم ليسوا شراب الخمر حاشا لهم ذلك، وانما هم رجال مخلصون أحبوا وطنهم حبا عظيماً واستبسلوا في الدفاع عنه واستشهد منهم من استشهد وجرح من جرح، فمن الكلمات الكويتية التي لا تزال محفورة في ذاكرة التاريخ الكويتي كلمة «السكارى» فلا تذهبوا بأفكاركم بعيدا، أما المعنى العام لكلمة السكارى فكلنا يعرف ذلك، فالسكارى مأخوذة من السكر والثمالة، وان يهذي الإنسان ويفقد عقله، أما السكارى الذين أعنيهم فهم سكارى الحرب قدماء أهالي الجهراء، الذين عرفوا بهذا اللقب، فكانت نخوة لهم تستحث به هممهم كما ان هذه الكلمة نخوة لهم عندما تشتد الحرب وتشمر عن ذراعها وهي مثلما يقول الرجل: أنا أخو فلان أو أنا أخو فلانة، والمقصود، سلمكم الله، سكاري الحرب، وهم مشهورون بهذا اللقب لا يقف في وجوههم شيء ولا يبالون وقعوا على الموت أو وقع الموت عليهم ولسان حالهم يقول: من كان ينوي أهله فلا رجع.. فرَّ من الموت وفي الموت وقع.

وكان شعراء الجهراء في الماضي كثيراً ما يفخرون بهذا اللقب ويذكرونه في كثير من قصائدهم، فها هو متعب السعيد رحمه الله يقول: اللي غريب بتيما ما يملي... بين السكارى يحس بحشمته زود، وتيما هذا اسم من أسماء الجهراء قديما، ويكفي الجهراء فخراً ان أمير البلاد سمو الشيخ صباح الأحمد مولود بها، وكان أهل الجهراء أثناء القتال ينادون بعضهم بعضاً بالسكارى، ومن طرائف أهل الجهراء القدماء وهم أهل نكتة أنهم زاروا حاكم الكويت الثامن الشيخ جابر المبارك للتعزية بوفاة والده الشيخ مبارك، وتهنئته بتولي الحكم، وكان الشيخ جابر يعرف فيهم هذه الخصلة فقال لهم على سبيل الدعابة: «بارك الله فيكم يا أهل الجهرا، وانتوا فاكينا من ثنتين»، فسألوه عن الثنتين؟ فقال: فاكينا من الحرب اذا صارت تصير عندكم أول والغبار يهب عليكم وما يصلنا، فقال له أحدهم: وبعد يا طويل العمر فاكينكم من ثالثة، قال: شنو الثالثة، قال: الفقر طال عمرك عشش عندنا ما يتعدانا، فنضحك الشيخ جابر وعرف القصد من وراء هذا الكلام، وهو انهم يلمحون له بأ،نه يعطيهم، وفعلا أعطاهم خرجية لكل واحد منهم، والخرجية تعنى المصرف والزهاب، أما الشيخ جابر المبارك فكان من أحب أمراء الكويت الى شعبه وهو الأبن الأكبر لأسد الجزيرة الشيخ مبارك الصباح، ولد في العام 1860م وحكم الكويت فترة قصيرة من 28 نوفمبر 1915م الى 5 فبراير 1917م، ورغم قصر مدة حكمه الا انه حقق إنجازات كانت جديرة بحب أهل الكويت له، وكنت قد سألت أحد المعمرين عن فترة حكم الشيخ جابر المبارك وكيف كانت وهو السيد ابداح فهد الصانع عام 1985م فأثنى كثيراً على الشيخ جابر وكان قد عاصر أيضاً الشيخ مبارك، وعاش هذا الرجل مئة وخمس عشرة سنة، وكان أول ما قام به الشيخ جابر المبارك إعفاء الشعب ضريبة الثلث على العقار وأعاد البيوت المصادرة الى أصحابها وكان كريما سخيا» أريحياً من خيرة الأمراء، كما كان قائداً عسكرياً شجاعا، وقد راجت التجارة البحرية في عهده، وزاد الخير، فكانت التجارة تسير الى الاستانة والحجاز والشام والعراق ونجد واليمن والموانئ الأفريقية، وشارك الشيخ جابر في عدة مؤتمرات دولية منها مؤتمر الصبيحية التي قامت الكويت فيه بدور الوسيط بين الدولة العثمانية وسلطان نجد في تلك الأيام الملك عبدالعزيز عبدالرحمن آل سعود، وشارك ايضا في مؤتمر ضم الحاكم العسكري البريطاني في العراق: السيد بيرسي كوكس والملك عبدالعزيز بن سعود وأمير المحمرة الشيخ خزعل الكعبي عام 1914م نائبا عن والده الشيخ مبارك، ومن أقوال الشيخ جابر المبارك المأثورة قوله: «نحن مسلمون واذا أجمع المسلمون على رجل فنحن له من الطائعين»، رزق بولدين الأول الشيخ أحمد أمير الكويت العاشر والشيخ حمود وابنة اسمها مريم ووالدة الشيخ أحمد شيخة بنت عبدالله بن صباح ابنة عم الشيخ جابر.

وقد توفي في السابعة والخمسين من عمره.

الخميس, 14 يناير 2016

لقد أسمعت لو ناديت حياً

عندما يجاهر الانسان بعداوتك ويكشر عن انيابه عيانا بيانا دون ذنب او سبب فإن الامر لا يحتاج كثير تفسير، فالامر هنا لا يعدو ثلاثا، إما ان يكون لا خلاق له ولا زخلاق او ان هذا الانسان معتوه، والثالثة وهي الاشد، انه يريد زوالك والانقلاب عليك، ولابد ان نتعلم من دروس الماضي ونستفيد، فهذا نصر بن سيار آخر ولاة خراسان لبني اميّة، يرسل الى الخليفة مروان بن محمد بن مروان وإلى أمير العرافين يزيد بن عمر بن هبيرة بعد ان ظهرت الاعلام السوداء بخراسان وبدأ ابومسلم الخراساني بالاستيلاء عليها يقول:

أرى بين الرّماد وميض جمر

ويوشك ان يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب أولها الكلام

اقول من التعجب ليت شعري

أأيقاظ أميّة أم نيام

فإن لم يطفها عقلاء قومي

يكون وقودها جثث وهام

وان كانوا لحينهم نياماً

فقل قوموا فقد حان القيام

وهي ابيات كلها تحذير وطلب النجدة والاستعداد لما هو آت، ورغم هذا التحذير والاستصراخ وطلب النجدة ترك وحيدا ولم يجد آذانا صاغية وكانت النتيجة انهيار دولة بني امية وزوال ملكهم، حتى انه قتل ثمانين اميرا أمويا في ساعة واحدة، وقامت دولة بني العباس، نحن نعلم ان الحذر لا يقي تصريف القدر وان الله ماضٍ في امره، الا ان التهاون في الامور يؤدي الى ما لا تحمد عقباه، ما نراه ونشاهده هذه الايام شيء يحز في النفس والخاطر معا، النصيحة لم تعد نافعة واصبح الناصح كالفاضح واذا نصحت احدا فكأنك تشتمه، ولسان حالك يردد قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:

ولو نار نفخت بها أضاءت

ولكن انت تنفخ في الرماد

لقد اسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ليتنا نتعلم ممن سبقنا وليتنا نحسب لكل شيء حسابه، ونصر بن سيار هذا من كبار امراء بني امية وولاتهم، وقد جمع بين الامارة والشعر وحسن السياسة الا ان امر بني امية بدأ بالاضمحلال وهبت ريح دولة بني العباس. الا تراه يقول:

ففري من رحالك ثم قولي

على الاسلام والعرب السلام

توفي هذا الامير حتف انفه وهو هارب من الجيوش العباسية وكان ذلك قبل زوال ملك بني امية بقليل، وكان عمره حين وفاته تسعين عاما لانه ولد في خلافة معاوية بن ابي سفيان عام 41 للهجرة، وتوفي عام 131 للهجرة وواضح انه مات غما وكمدا رغم تقدمه في السن وكان الذي احيا دولة وأمات دولة ابومسلم الخراساني وهو بمثابة امير الامراء والقائد العام للعساكر في خلافة السفاح والمنصور وقد وطد اركان الدولة العباسية واقام خلافة استمرت منذ عام 132 هجري الى العام 656 هجري، واسم ابومسلم: عبدالرحمن ومكان ولادته اصبهان مضى الى خراسان على حمار وهو ابن سبع عشرة سنة وعرف بالشجاعة والرأي والحزم والعقل وحسن التدبير الا انه شديد الفتك لا يبالي من قتل، قام اليه رجل وهو يخطب على المنبر فقال: ما هذا السواد الذي اراه عليك؟ فقال: حدثني ابو الزبير عن جابر بن عبدالله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وهذه ثياب الدولة والهيبة يا غلام: اضرب عنقه، وكان ابومسلم الخراساني يقول: ارتديت الصبر واثرت الكتمان، وحالفت الاحزان والاشجان، وسامحت المقادير والاحكام، حتى بلغت غاية همتي وادركت نهاية بغيتي وانا الذي اقول:

ادركت بالحزم والكتمان ما عجزت

عنه ملوك بني مروان اذ حشدوا

مازلت اضربهم بالسيف فانتبهوا

من رقدة لم ينمها قبلهم احد

طفقت اسعى اليهم في ديارهم

والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا

ومن رعى غنما في أرض مسبغة

ونام عنها تولى رعيها الاسد

وفي الماضي كان يقال: سبعة رجال مات كل واحد منهم ولم يتجاوز عمره الست والثلاثين سنة، كل واحد من السبعة بلغ في امره الغاية: الاسكندر الاكبر وهو ذو القرنين وابو مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية، وعبدالله بن المقفع صاحب البلاغة والخطابة والفصاحة، وسيباويه صاحب التصانيف والتقدم في علم اللغة العربية، وابراهيم النظام الذي بلغ النهاية في علم الكلام، وابن الريوندي وما انتهى اليه من التوغل في المخازي، هؤلاء السبعة لم يتجاوز احد منهم هذا القدر من العمر، وكانت نهاية ابومسلم الخراساني القتل على يد رجال ابوجعفر المنصور وبأمره في عام سبع وثلاثين ومئة من الهجرة.

الأربعاء, 13 يناير 2016

وصية الشيخ عبدالله السالم

كان آخر خطاب ألقاه أمير الكويت الحادي عشر الشيخ عبدالله السالم في 23 أكتوبر 1965م، ومن ضمن ما قاله أبيات شعر أوصى بها الشعب الكويتي وهي في غاية الحكمة لو فكرنا بها وتدبرناها لعلمنا أنها صالحة لكل زمان ومكان وهي وصية الوالد لابنائه يقول فيها:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سُراة اذا جهالهم سادوا

البيت لا يبتني إلا له عمدٍ

ولا عماد إذا لم ترس أوتادُ

فإن تجمع أوتادٌ وأعمدةٌ

يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا


يظهر اختياره هذه الآبيات حرصه وحبه لشعبه حاله كحال من سبقه ومن جاء بعده من امراء، فالبيت لا يقوم إلا ببناء أساسه وأعمدته وقواعده أو يقع البيت على رؤوس أصحابه، وهذه الأبيات الجميلة توضح أهمية السلطان للناس ووجوب طاعته وهي اخلاق حث عليها الإسلام، وكان كعب الاحبار يقول: مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والاطناب والاوتاد، فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان والأطناب والأوتاد الناس، ولا يصلح بعضه الا بعض، في هذا الصدد يقول الصحابي حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا اذلهم الله قبل موتهم. والأبيات التي ذكرتها تصب في هذا المعنى ومن هذه الأبيات:

فينا معاشر لم يبنوا لقومهم

وان بنى قومهم ما أفسدوا عادوا

لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم

فالغي منهم معا والجهل ميعادُ

كانوا كمثل لقيم في عشيرته

إذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد

أو بعده كَقُدار حين تابعه

على الغواية أقوام فقد بادوا

وإن تجمع أقوام ذوو حسب

اصطاد أمرهم بالرشد مصطاد

تلفي الأمور بأهل الرشد ما صلحت

فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

إذا تولى سراة القوم أمرهم

نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

إمارة الغي ان تلقى الجميع لدى

إبرام للأمر والأذناب أكتاد

كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر

لهم عن الرشد أغلال وأقياد

اعطوا غواتهم جهلا مقادتهم

فكلهم في حبال الغي منقاد

حان الرحيل الى قوم وان بعدوا

فيهم صلاح لمرتاد وارشاد

فسوف أجعل بعد الأرض دونكم

وإن دنت رجم منكم وميلاد


ولو أردت أن اشرح هذه الأبيات لطال عليكم المطال، اما صاحب هذه الأبيات التي تعد من مفاخر أشعار العرب فهو الافوه الاودي واسمه كما اورده صاحب الاغاني: صلاءة بن عمرو بن مالك أبوربيعة المذحجي شاعر جاهلي من أهل اليمن ولد قبل الهجرة بخمسين عاما، لقب بالافوه لانه غليظ الشفتين ظاهر الاسنان، كان الافوه سيد قومه وقائدهم في حروبهم وهو من كبار الشعراء الحكماء، وقد تمثل بأبياته عبدالله بن الزبير في مجلس معاوية بن ابي سفيان، وكان معاوية قد قال: من ينشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه، فقام ابن الزبير وقال: بثلاثمائة الف درهم يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: وتساوي: فقال ابن الزبير: انت بالخيار وانك لواف كاف، قال معاوية: هات فأنشده للافوه الاودي:

بلوت الناس قرنا بعد قرن *** فلم أر غير ختال وقال

فقال معاوية: صدق، هيه، فقال:

ولم أر في الخطوب أشد وقعا*** واصعب من معاداة الرجال

فقال: صدق، ثم ماذا؟ فقال:

وذقت مرارة الأشياء طُرا*** فما طعمٌ أمر من السؤال

قال معاوية: صدق وأمر له بثلاثمائة الف درهم.

الثلاثاء, 12 يناير 2016

مطوع بريدة

مطوع بريدة، قصة قديمة، أجمع الناس على صحتها فرووها منذ عقود عدة، ربما تكون قصة مطوع بريدة هذا صحيحة، لكني لا اجزم بذلك لأني لم أجد مرجعاً تاريخيا يذكرها، مع أن الناس ضربوا بهذا المطوع المثل، فكل من يتظاهر بالورع والصلاح والتقوى ويكتشف امره، يقال له: هذا لا يحوشك، مطوع بريدة، لانه ظاهره عكس باطنه، وسريرته خلاف علانيته، وفي الماضي كان الناس اذا حكوا قصة مطوع بريدة اتبعوا قصته بقصة المطوع الآخر الذي قال على المنبر أطعموا امامكم لحم الدجاج وزوجوه البنت المنغاج تدخلون الجنة أفواج أفواج فتنحنح رجل في المسجد، فقال له: أيها المتنحنحون اسكتوا، الشرط أربعون، لنا عشرون ولكم عشرون، فسكت الرجل، وانا لا أنفي ولا أؤكد هذه القصة ولكن سمعتها كثيرا، وكل من يتستر بعباءة الدين لامور دنيوية ومصالح شخصية فلاشك انه الداهية الدهماء والمصيبة العظمى، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: ليس كل مصل يصلي، إنما اتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي،ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم الارملة والمسكين ابن السبيل ورحم المصاب، وذلك نوره كنور الشمس، اكلؤه بعزتي، واستحفظه ملائكتي، اجعل له في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، ومثله في خلقي، كمثل الفردوس في الجنة» وكذلك قول الله تعالى في الآية الخامسة والاربعين من سورة العنكبوت: «أتل ما أوحي اليك من الكتاب، وأقم الصلاة، ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله اكبر، والله يعلم ما تصنعون»، يروى أن الشاعر الأموي العصر، حمزة بن بيض الحنفي، اراد ان يسافر وكان عنده ستين الف درهم، فأراد ان يضعها عند رجل من أهل الامانة والثقة وكان مترددا في ذلك ولم تطاوعه نفسه أن يترك هذا المبلغ الكبير في بيته، فقال في نفسه اتركها عند امام قريتنا فهو أهل للثقة، فذهب الى الامام وأودعه نصف المبلغ وهو ثلاثين ألف درهم، ثم ذهب الى بائع نبيذ وهو صراف بنفس الوقت فأودع عنده الثلاثين ألف درهم الباقية، ثم ركب ناقته وتوجه الى الشام، وحمزة بن بيض هذا من فحول شعراء بني امية وكان منقطعا الى المهلب بن ابي صفرة وأولاده، ولما قضى اشغاله في الشام عاد الى العراق ودخل قريته وسار إلى إمام القرية على الفور ليأخذ منه امانته التي استودعها اياه، فجحده وانكر ان يكون ترك عنده مالا وكان قد بنى بالمال دارا جديدة وتزوج، فتركه حمزة وذهب الى بائع النبيذ الصراف الذي ترك عنده بقية المبلغ أمانة، فرحب به ورد اليه امانته، فشكره حمزة وقال محذرا الناس من كل يدعي النسك رياء وسمعة:

ألا لا يغرك ذو سجدة

يظل بها دائما يخدع

كأن بجبهته جلبة

يسبح طورا ويسترجع

وما للتقي لزمت وجهه

ولكن ليغتر مستودع

ثلاثون الفاحواها السجود

فليست الى اهلها ترجع

فلا تنفرن من أهل النبيذ

وان قيل يشرب لا يقلع

أيها الاحبة على المؤمن ان يتخير اهل الصلاح والامانة والتقى ليودع عندهم ما يخشى عليه، والمؤمن كيسّ فطن لا تخدعه المظاهر ولا تغره أساليب المرائين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ايمان لمن لا أمانة له» وحمزة بن بيض هذا من ظرفاء شعراء بني امية، يروى أنه مر وهو مسافر بقرية فاضطره حلول المساء الى دخولها وكانت قرية عامرة بمزارعها وأهلها ومواشيها ومياهها، فسألهم ان يضيفوه عندهم إلى الصباح، فأبوا ذلك وطردوه ولم يصنعوا به خيرا، فوقف عليهم وقال:

لعن إلاله قرية يممتها

فأضافني ليلا اليها المغرب

الزارعين وليس لي زرع بها

والحالبين وليس لي ما احلب

فلعل ذاك الزرع يودي أهله

ولعل ذاك الشاء يوما يجرب

ولعل طاعونا يصيب علوجها

ويصيب ساكنها الزمان فتخرب

العجيب انه بعد سنة من هجائه لهم أصاب أهل هذه القرية الطاعون فأباد خضرائهم ولم يبق فيها احد، فمر بها حمزة بن بيض ورأى ما حل بها، فحمد الله تعالى ان عافاه مما ابتلاهم وقال لصاحب له: زعمت اني لا اعطى منيتي، فقال له صاحبه: وأبيك لقد اعطيتها، فلو تمنيت الجنة كان خيرا لك!! فقال: انا اعلم بنفسي لا اتمنى ما لست له بأهل، ولكن ارجو رحمة ربي عز وجل.

ذكر ان حمزة بن بيض، دخل على الامير: مخلد بن يزيد بن المهلب فوقف امامه وقال:

حمزة: إن المشارق والمغارب كلها

تجبي وأنت اميرها وامامها

مخلد: ثم مه ياحمزة

حمزة: اغفيت قبل الصبح نوم مسهد

في ساعة ما كنت قبل انامها

مخلد: ثم ماذا كان

حمزة: فرأيت انك جدت لي لوصيفة موسومة حسن علي قيامها

مخلد: قد فعلت

حمزة: وببدرة حملت الى وبلغة

سفواء ناجية يصل لجامها

مخلد: قد امرنا لك بكل ما رأيته في منامك وقد حقق الله رؤياك

وامرنا لك بذلك

وكان حمزة بن بيض يقول: علم الله اني ما رأيت مما ذكرت شيئا.

السبت, 09 يناير 2016

«منكر حسنة»

«منكر حسنة» مثل دارج عند اهل الكويت في الماضي وربما قالوه هذه الايام، ولكن قلة قليلة من الناس تعرفه، ولاشك ان بعض الناس، خاصة جيل الشباب،
لا يعرف معنى هذه العبارة، وهي باختصار تقال لناكر الجميل اللئيم الذي لا يثمر فيه المعروف ويقابل المعروف بالجحود والنكران مخالفا قول الحطيئة العبسي.
من يفعل الخير لا يعدم جوانبه
لا يذهب العرف بين الله والناس
وينطبق عليه قول الآخر
ومن يفعل المعروف في غير اهله
يلاقي الذي لاقى مجبر أم عامر
وأم عامر كنية الضبع اخبث واعذر الحيوانات على الاطلاق، ويروى ان الملك النعمان بن شقيقة وفي رواية اخرى النعمان بن المنذر ملك الحيرة طلب من رجل اسمه سنمار، وكان حاذقا في البنيان، ان بيني له قصرا لا نظير له يفاخر به ملوك الارض، وسنمار رجل رومي مبدع في البناء فبناه في عشرين عاما فكان قصرا لا نظير له في الدنيا فكان اعجوبة العجائب فسمى النعمان قصره هذا: «الخورنق» واذا مر الناس بالقصر وقفوا طويلا ينظرون الى القصر مندهشين من حسن بنائه، وقد اعجب النعمان بقصره وفرح فرحا شديدا ونظر النعمان إلى قصره وصعد الى اعلاه ومعه?سنمار وكان يحدثه عن إحكامه بناء القصر وكله امل ان يجزل له العطاء ويمنحه هدية كبيرة لانه رأى شدة اعجاب النعمان بالقصر، ومن سوء حظه انه قال للنعمان: لو وثقت بأنك تعطيني حقي كاملا لبنيت لك قصرا يدور مع دوران الشمس، فقال له النعمان اوتستطيع ان تبني احسن من هذا القصر؟ فقال: نعم، فأمر النعمان ان يرموا سنمار هذا من اعلى القصر فكان هذا جزاءه، فما اجمل قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «اعطوا الاجير حقه قبل ان يجف عرقه» فأصبح جزاء سنمار هذا مثلا سائرا لكل من يقابل الاحسان بالجحود حتى قال الاجداد «منكر حسنة» وحسنة ?نا تعني الحسنة حتى ان الشعراء تمثلوا بجزاء سنمار، فهذا الشاعر الجاهلي عبدالعزى بن امرئ القيس الكندي يقول:
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجة
يعلي عليها بالغراميد والسكب
ويقول الآخر وهو سليط بن سعد ايضا:
جزى بنوه ابا القيلان عن كبد
وحسن فعل كما يجزى سنمار
ويروى ان الضبع ام عامر لجأت الى اعرابي هربا من فتيان ارادوا اصطيادها او قتلها فلما رأى الاعرابي ان ام عامر لاذت به اخترط سيفه وقال: انا لها جار ومنعهم عنها فتركوها عنده وذهبوا فقام الاعرابي وقد راى ام عامر شديدة التعب فقدم لها لبنا، ثم اشتمل بعباءته وقام فوثبت ام عامر على الاعرابي فقتلته وكان هذا جزاءه على احسانه، لهذا قال الشاعر محذرا من اسداء المعروف الى من ليس اهلا له: فقل لذوي المعروف هذا جزاء من.. يعود باحسان الى غير شاكر. لذا يقول الباري عز وجل في الاية 60 من سورة الرحمن: «هل جزاء الاحسان الا الاحسان? من هنا اطلق اهل الكويت في الماضي على ناكر. الاحسان: منكر حسنة فكان الرجل يقول لمن احسن اليه وقابل احسانه بالجحود والنكران: انت ما ينفع فيك الاحسان والطيب انت منكر حسنة، حتى من يضر وطنه ويسيء اليه يقال له: منكر حسنة لان حق الوطن على المواطن كبير ومن يشق عصا الطاعة وينازع ولاة الامور فيما اعطاهم الله تعالى منكر حسنة والمعروف لا يجازى الا بمعروف مثله وما من ناكر احسان الا واحاط به المكر السيئ وكان تدبيره سببا في تدميره، والتاريخ مليء بالحوادث التي تثبت هذا الشيء. يقول الشاعر الشعبي في هذا الصدد: الوطن من ينك? احسانه.. كود من هو طبعه خيانة.

الصفحة 40 من 41