جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

لا شك أن بيت الشعر هذا من الأبيات الغريبة، فعندما تتأمله تتساءل: هل حقا أهل العشق مساكين؟ وهل يقبل مثل هذا الرأي ممن ذاق مرارة العشق؟ حتى أن حياة العاشقين عنده لا تساوي درهما! لا شك ان هذا الشاعر يرثي حال العاشقين لانه جرب مرارة العشق ورأى ما به من الذل والحرمان والتعب والنصب, فهو صاحب تجربة مريرة في العشق, وجد من خلال هذه التجربة ان ضرره اكثر من نفعه, وتعبه اضعاف راحته, من هنا قال هذا الشاعر ما قال, ولهذا البيت حكاية, فقد روى ابو الفضل الربيعي ان نصيب الشاعر دخل على مولاه عبدالعزيز بن مروان امير مصر لأخيه عبدالملك بن مروان, فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم. فقال له: من؟ قال: جارية لبني مذحج عشقتها، أصلح الله الأمير، فاستكلف بها الواشون, فما كنت أقدر على كلامها إلا بعين أو بنان, أو اشارة على طريق, او ايماء وبذلك أقول:

جلست لها كيما تمر لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلّم
فلما رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها شوقا وإن لم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري
جميع حياة العاشقين بدرهم
واضح ان نصيب يرثي حال العاشقين الذي هو في جملتهم ولولا تجربته لما ابدى رأيه فيهم ولا أخاله جانب الحقيقة فما من عاشق إلا ويشكو من معاناته، فعاشق يشكو الهجر وآخر يشكو خيانة حبيبه, ولا ننسى ان العشق أعلى درجات الحب على الاطلاق لأنه التعلق الشديد بالحبيب، وعندما يصل المحب الى هذه الدرجة يفقد اتزانه يقول ابن الابار ابو عبدالله بن عبدالله بن ابي بكر القضاعي البلنسي
«595 - 658هـ»:
أبين واشتياق وارتياع
لقد حملت ما لا يستطاع
تملكني الهوى فأطعت قسرا
ألا إن الهوى ملك مطاع
ويقول ثاني سلاطين عمان الامام سعيد بن الإمام احمد البوسعيدي «1104 - 1198 هـ»:
يا من هواه أعزه وأذلني
كيف السبيل إلى وصالك دلني
فتركتني حيران صبا هائما
أرعى النجوم وأنت في عيش هني
«يتبع»
دمتم سالمين, في أمان الله.

ونكمل ما بدأناه، فكلمة «شويخ» في بداية هذه القصيدة، تصغير شيخ، والشيخ من تقدم به السن، ومكناس مدينة من مدن المغرب العربي، وهي كلمة «أمازيقية» وتعني المحارب، وقد بناها المولى اسماعيل بن الشريف العلوي، وجعلها عاصمة لمملكته، وتبعد عن العاصمة الرباط 140 كم، وأعود إلى أبو الحسن الششتري فأقول إن ولادته كانت سنة 610 هـ كان يلقب «عروس الفقهاء» وأمير المتصوفين، واسمه: علي بن عبدالله النميري، وله الأبيات الرائجة التي يقول فيها:
كلما كنت بقربي
تنطفي نيران قلبي
زادني الوجد لهيباً
هكذا حال المحب
لا بوصلي أتسلي
لا ولا بالهجر أنسى
ليس للعشق دواء
فاحتسب عقلاً ونفسا
وشعر الششتري متناغم شجي، تأمل قوله:
تأدب بباب الدير واخلع به النعلا
وسلم على الرهبان واحطط بهم رحلا
وعظم به القسيس إن شئت خطوة
وكبر به الشماس إن شئت أن تعلا
وأولية الششتري أنه كان وزيراً وعالماً من علّية القوم، كما كان أبوه أميراً، فأراد الدخول في طريق التصوف، فقال له شيخه: لا يمكن لك ذلك إلا أن تتجرد مما أنت فيه، وتلبس خرقة التصوف ففعل ما قال له. ثم صحب العارف بالله «أبا مدين شعيب» بن سبعين، وأدى فريضة الحج ثم زار الشام، وعاد إلى القاهرة ثم دمياط وبها توفي سنة 668هـ، وقد ورد ذكر المولى اسماعيل بن الشريف، وسأذكر لكم شيئاً عنه فهو من أجداد ملك المغرب محمد السادس، ويتصل نسب هذه الأسرة الشريفة بمحمد النفس الزكية بن عبدالله المحض ابن الحسن المثنى ابن الامام الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حكم اسماعيل بن عبدالله منذ عام 1672م الى عام 1727م، وكان الحاكم قبله أخوه الرشيد بن الشريف، وقد ولد في «تافيلالت» سنة 1645م وكانت الدولة العلوية في عهده زاهية، ونقل العاصمة من مراكش الى مكناس، وله من الأبناء والبنات ستة وخمسون، ولما توفي خلفه حفيده أحمد بن اسماعيل.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.

«شعلي أنا من الناس، وشعلى الناس مني» بيت شعر عامي مشهور معناه: لا شأن لي بالناس، وليس للناس شأن بي، كل شخص مسؤول عن نفسه، والحقيقة أن من حسن أخلاق المرء تركه مالا تعنيه، وقد قال الإمام الشافعي: إرضاء الناس غاية لا تدرك، عليك بما يصلح أمرك فالزمه، ودع الخلق للخالق، يقول المولى «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون» المائدة- 105، وقد قالوا في الأمثال: من تدخل فيما لا يعنيه... لقي ما لا يرضيه، من هنا اختار «أبو الحسن الششتري» رحمه الله أبياته الرائجة: شويخ من أرض مكناس، وسط الأسواق يغني... إشعلي أنا من الناس وشعلى الناس مني، كثير من الناس سمعوا هذه الأغنية، دون معرفة صاحبها وأبو الحسن هذا شاعر صوفي من أهل الكرامات أندلسي، ذكره لسان الدين ابن الخطيب فقال: أبو الحسن من أهل ششتر معروف بها، أمير المتجردين وبركة الأندلس، لبس الخرقة، وقريته من عمل وادي «إش معروفة» وزقاق الششتري معروف بها، كما أنه من أهل القرآن، مجوداً له عارفا بمعانيه، من أهل العلم والعمل «انتهى»، وأبوالحسن الششتري أول من استعمل الزجل في المعاني الصوفية، مثلما أن محيي الدين بن العربي أول من استعمل الموشح لنفس الغرض، كما الششتري كثير التطواف في البلاد الأندلسية، ثم طاف في المغرب واجتال أقاليمها إلى أن استقر في «دمياط» وبها كانت وفاته، له أزجال أولع بها المشارقة وغنوها في مجالسهم، ومنها ما ذكرته لكم في البداية «شويخ من أرض مكناس» يقول فيها:
شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني
شعلي أنا من الناس وشعلى الناس مني
إشعليه يا صاحب من جميع الخلايق
افعل الخير تنجو واتبع أهل الحقايق
لا تقل يا ابني كلمة، إلا إن كنت صادق
خذ كلامي بقرطاس واكتبه حرز عني
ثم قول مبين «ن» ولا يحتاج عبارة
شعلى حد من حد،افهموا ذي الإشارة
وانظروا كبر سني، والعصا والقراره
هكذا عشت في فاس، وكذاك أنا هوني
وما أحسن كلامه، إذا يخطر بالأسواق
وترى أهل الحوانيت، يلفتوا له بالأعناق
في غراره بعنقه، وعكيكز ورقراق
شويخ مبني على ساس، كما إن شاء الله مبني
من عمل يا ابني طيب، ما يصيب إلا طيب
ولعيبوا سينظر، وفعالوا يعيب
والمقارب بحالي، يبقى برا مسيب
ومن معه طيبة أنفاس يدري عذر المغني
يا إلهي رجوتك، جد علينا بتوبة
بالنبي قد سألتك، والكرام الأحبه
الرجيم قد شغلني، وأنا معه بنشبه
قد ملى قلبي وسواس، من ما هو يبغي مني
«يتبع»
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

ونكمل ما بدأناه فتعالوا نتعرف الآن على هذا الشاعر بتوسع: هو أبو جبيل عبد قيس وقيل قيس بن خفاف، من بني عمرو بن حنظلة، من البراجم من تميم، عرف عبد قيس بسؤدده وشرفه العظيم في قومه، وكان شاعرا شجاعا من سادات بني تميم، وهو جاهلي، عاصر حاتم الطائي والنابغة الذبياني وملك العرب الأشهر: النعمان بن المنذر، ويظهر من سيرته انه عاش عمراً طويلاً، وهو ايضا شاعر حكيم كثير التجارب، تنوعت اغراض شعره فمنها: الفخر والمدح والحكمة وغيرها، وكان يثني على الخلق النبيل في أشعاره ويوصي به، ومن أفضل شعره على الاطلاق وصيته لابنه «جبيل» يقول فيها:
أجبيل إن أباك كارب يومه
فإذا دعيت إلى العظائم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح
طبن بريب الدهر غير مغفل
الله فاتقه وأوف بنذره
وإذا حلفت ممارياً «فتحلل»
والضيف أكرمه فإن مبيته
حق ولا تك لعنة للنزل
واعلم أن الضيف مخبر أهله
بمبيت ليلته وإن لم يسأل
وصل المواصل ما صفا لك وده
واحذر حبال الخائن المتبدل
واترك محل السوء لا تحلل به
وإذا نبا بك منزل فتحول
وإذا هممت بأمر شر فاتئد
وإذا هممت بأمر خير فافعل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعا
ترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربك بالغنى
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وإذا تشاجر في فؤادك مرة
أمران فاعمد للأعف الأجمل
كارب: اقترب يومه، إيصاء: الوصية، طبن: فطن خبير، فتحلل: تخلص من اليمين الكاذبة، للنزل: للضيوف، المبتذل: المظهر خلاف ما يضمر التارك التصون والتحرز، فاتئد: تمهل، الخصاصة: الفقر والحاجة، فتجمل: تصبر.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

صدق وبر هذا الشاعر وأثنى على من يستحق الثناء، فهل أنجبت عربية أندى كفاً وأسخى من حاتم طيء؟ لا والله ومن قال غير ذلك ظلم نفسه وأثم، وقلنا له بفيك التراب. أوليس حاتم القائل:
لقد كنت اختار القرى طاوي الحشا
محاذرة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها
وبين فمي داجي الظلام بهيم
أما صاحب بيت الشعر، عنوان هذا الموضوع، فقد جعل الندى والسخاء في شخص حاتم طيء، فإذا مات حاتم طيء ماتت معه الخصال الحميدة التي جمعت في شخص واحد، هذا ما أراد أن يقوله هذا الشاعر، ولهذا البيت قصة تظهر شدة سخاء حاتم بن عبدالله الطائي، روي أن قيس بن خفاف البرجمي التميمي «أبو جبيل» أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان قيس هذا شريفاً شاعراً من سادات قومه، فلما قدم على حاتم قال: يا أبا عدي، لقد وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، واني حملتها في مالي وأملي، فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهمّ قد كفيته، وان حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم انشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة
فجئتك لما أسلمتني البراجم
وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا
فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباً
وأهلاً وسهلاً اخطأتك الأشائم
فيحمها عني وإن شئت زادني
زيادة من حنت إليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء
فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين مات الجود معك فلا نرى
مجيباً له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله
فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطي من أموال طيء
إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطي التي فيها الغنى وكأنه
لتصغيره تلك العطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج
وسعد وعبدالله تلك القماقم
فبش حاتم في وجهه وقال له: إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي «ربع الغنيمة التي يأخذه الرئيس في الجاهلية» من الغارة على بني تميم، فخذه وافراً، فإن وفى بالحمالة وإلا أكملتها لك، وهي مئتا بعير سوى بنيها وفصالها مع اني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته الي ليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فزاده على ما اعطاه مئة بعير، فاخذها وانصرف إلى قومه فقال حاتم:
أتاني البرجمي أبوجبيل
لهم في حمالته طويل
فقلت له خذ المرباع رهوا
فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي
على علاتها علل البخيل
فخذها انها مئتا بعير
سوى الناب الرذية والفصيل
فلا من عليك بها فإني
رأيت المن يزري بالجزيل
فآب البرجمي وما عليه
من أعباء الحمالة من فتيل
يجر الذيل ينفض مذرويه
خفيف الظهر من حمل ثقيل
«يتبع»
دمتم سالمين، في آمان الله

الإثنين, 18 ديسمبر 2017

«جزاني جزاه الله شر جزائه»

أهل مكة أدرى بشعابها، ولكن لا ضير ان نبدي الرأي بهذه الحكومة الكويتية الجديدة التي شكلها سمو الشيخ جابر مبارك الحمد الصباح، فقد خسرت هذه الحكومة والشعب الكويتي ثلاثة وزراء أثبتوا نجاحهم بكل جدارة هم السيد فالح العزب، والسيد ياسر أبل، والدكتور جمال الحربي، فقد عمل هؤلاء الرجال بكل إخلاص وتفانٍ، ووضعوا مصلحة الكويت وأهلها نصب أعينهم، ولاحظ الناس ان المكاتب لم تكن همهم، أما العزب فلم يبق طريق نجاح إلا سلكه ولم يبق قانونا يخدم الكويت وأهلها إلا سنه، وكذلك الحال بالنسبة لرجل المهمات الصعبة ياسر أبل الذي حرك عجلة الاسكان وأنجز ما لم ينجزه غيره دون صخب وضجيج ووسائل إعلام، أما الدكتور جمال الحربي فكل من تسأله عما قدم تجده يثني عليه ويذكر له نشاطه وهمته العالية في خدمة أهل الكويت في المجال الصحي، خاصة، وهو الأهم، قضاءه على زحمة المستشفيات التي عانينا منها سنوات طويلة، فهل هذا جزاء هؤلاء الرجال أن يخرجوا من الحكومة بعد ان أسسوا وخدموا بكل إخلاص؟ ولا أخال لسان حالهم إلا يردد قول:
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجة
يعلي عليها بالقراميد والسكب
فلما انتهى البنيان يوم تمامه
وصار كمثل الطود والباذخ الصعب
رمى بسنمار على أم رأسه
وذاك لعمر الله من أعظم الخطب
أيها السادة مثل العزب وأبل والحربي خسرهم الناس ولم يخسروا أنفسهم وكيانهم، وسيذكرون بالخير بحسن عطائهم، فقد أرضوا ضمائرهم، وان فقدوا كرسي الوزارة لم ولن يفقدوا احترامنا ومحبتنا، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
دمتم سالمين، في أمان الله

ونكمل ما بدأناه فقصيدت المتضمنة بيت الشعر الذي ذكرته في البداية فهو ضمن ابيات فائقة يقول فيها:
رضاك خير من الدنيا وما فيها
وأنت للنفس أشهى من تمنيها
الله أعلم أن الروح قد تلفت
شوقا إليك ولكني أمنيها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أملي
أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها
إني وقفت بباب الدار أسألها
عن الحبيب الذي قد كان لي فيها
فما وجدت بها طيف يكلمني
سوى نواح حمام في أعاليها
قالت قبيل العشا شدوا رواحلهم
وخلفوني على الاطلال أبكيها
إن كنت تعشقهم قم شد والحقهم
هذه طريقهم إن كنت تقفيها
لحقتهم فاستجابوا لي فقلت لهم
اني عبيدا لهذه العيس أحميها
قالوا أتحمي جمالا لست تعرفها
فقلت أحمي جمالا سادتي فيها
قالوا ونحن بوادي لا به عشب
ولا طعام ولا ماء فنسقيها
خلوا جمالكم يرعون في كبدي
لعل في كبدي تنمو مراعيها
«لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها»
ما يسهر الليل إلا من به ألم
والنار ما تحرق إلا رجل واطيها
ثم الصلاة على المختار من مضر
محمد سيد الدنيا وما فيها
وقد توفي الأبله البغدادي على ما ذكره ابن الجوزي واثبته ابن خلكان سنة تسع وسبعين وخمسمئة ببغداد في خلافة الناصر لدين الله،أبوالعباس، أحمد بن الحسن المستضيء بأمر الله «575 - 622هـ» ولا بأس أن احدثكم عن الخليفة القائم بأمر الله والذي سميت باسمه مدينة القائم في العراق، هو ابو جعفر عبدالله بن القادر بالله أحمد بن اسحاق بن جعفر بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي «بن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما» ولد عام 391 هـ ببغداد، وتولى الخلافة بعد وفاة أبيه القادر بالله سنة 422 هـ، وصفه ابن الاثير بأنه كان جميلا مليح الوجه، أبيض مشربا حمرة، حسن الجسم، ورعاً دينا زاهدا عالما، قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصدقة، صابرا مؤثرا للعدل والاحسان، حريصا على قضاء حوائج الناس، له عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة.
قال الخطيب البغدادي: لم يزل القائم بأمر الله مستقيما إلى أن قبض عليه سنة 445 هـ ثم اطلق سراحه وعاد الى خلافته بمعونة السلطان «طغرلبك» ولما احس بدنو اجله استدعى حفيده وولي عهده «عدة الدين أبي القاسم» عبدالله بن محمد بن القائم وجدد له البيعة من بعده، ثم توفي ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان سنة سبع وستين واربعمئة عن اربع وتسعين سنة، وثمانية اشهر وثمانية ايام، ومدة خلافته اربع واربعون سنة وثمانية اشهر، وخمسة وعشرون يوما، ولم يبلغ أحد من العباسيين هذه المدة.
أكتفي بهذا القدر.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كل إنسان يتمنى أن يعود الماضي، خاصة إذا كان هذا الماضي يحمل في ثناياه حبا لم تزعزعه الليالي والأيام، ولا يتمنى مثل هذه الأمنية إلا من باعدت الظروف والأحكام بينه وبين من أحب، وهي حالة مألوفة وغير مستغربة بين أهل الحب، والجميل في بيت الشعر هذا استدرار العطف دون تكلف وبسلاسة متناهية وعبارات واضحة يغلب عليها الأدب الجم والحب الصادق.
العباس بن الأحنف يسأل محبوبته فوز أن تعود علاقة الحب بينهما، ولم يسأل العباس هذا السؤال إلا بعد أن اختلفت هذه العلاقة عما كانت عليه في الصغر، فحركه الحب الشديد لفوز وطلب منها هذا الطلب، وعندما تتأمل بيته هذا تلاحظ شوقه وحنينه إلى تلك الأيام الخوالي،والعباس بن الأحنف من مشاهير شعراء صدر الدولة العباسية، عرف بشعر الغزل الذي صاغه صياغة راقية بلا تكلف، حتى ان شعره يكاد يذوب رقة، وقد قال البحتري الشاعر ان العباس بن الأحنف أغزل الناس، وأشاد به ابن المبرد في كتابه الروضة وفضله على أقرانه، ناهيك بابن المبرد مثنياً،  ومما قاله فيه: كان العباس بن الأحنف من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلا ولم يكن فاسقاً، ظاهر النعمة، ملوكي المذهب، شديد الترف، وهذا بين في شعره، قصده الغزل، وشغله النسب، حلوا مقبولا غزير الفكر واسع الكلام، كثير التصرف.
أيها السادة يقول العباس بن الأحنف:
غضب الحبيب فهاج لي استعبار
والله لي مما احاذر جار
كنا نغايظ بالوصال معاشراً
لهم الغداة بصرمنا استبشار
يا أيها الرجل المعذب قلبه
أقصر فإن شفاءك الإقصار
نزف البكاء دموع عينك فاستعر
عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها؟
أرأيت عينا للبكاء تعار
ويقول أيضاً:
وإذا نظرت إلى المحب عرفته
وبدت عليه من الهوى آثار
قل ما بدا لك أن تقول فربما
ساق البلاء إلى الفتى المقدار
ومن أبيات العباس المغناة قوله:
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى
ولا خير فيمن لا يحب ويعشق
عرف هذا الشاعر أنه لم يتكسب في شعره، وآخر ما سمع منه أبياته التي قالها وهو يجود بنفسه بحسب رواية الأصمعي، والتي يقول فيها:
يا بعيد الدار عن وطنه
مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النحيب به
زادت الأسقام في بدنه
ولقد زاد الفؤاد شجا
طائراً يبكي على فننه
شاقه ما شاقني فبكى
كلنا يبكي على سكنه
توفي العباس بن الأحنف سنة 192 هـ في خلافة هارون الرشيد، وصلى عليه عبدالله المأمون ولم يجزم أحد بسنة ولادته.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الأربعاء, 13 ديسمبر 2017

ناصر صباح الأحمد «مستقبل أمة»

الشيخ ناصر صباح الأحمد هو , هو, لم يتغير في يوم من الأيام تبوأ اليوم منصباً مهماً في الدولة وهو النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير للدفاع ومع ذلك سيجده المتابع كما كان عليه ذلك المواطن المحب لشعبه ووطنه.
ولد هذا الرجل من رحم بيت الحكم وكان ومازال قريباً من اصحاب القرار ولا عجب من تنامي شعبيته بشكل متسارع, فقاعدته قوية وتواصله مع الناس منذ نشأته تجده مهنئاً كما تجده مواسياً, وعهدته ومازال محط رحال الناس قديماً وحاضراً, بابه مفتوح وقلبه ينبض بحب الكويت وأهلها أعرفه تمام المعرفة, ذو شخصية محبوبة, صاحب قرار, لديه تطلعات وآمال تصب كلها في صالح هذا الوطن العزيز, يرى الأمور بعين ثاقبة وبصيرة نافذة ما لا يراه غيره, به من الصفات الكثيرة منها دماثة الأخلاق ورحابة الصدر والجود, والقبول بالرأي والرأي الآخر, وقد آن لهذا الفارس أن يمتطي صهوة جواده ويتقدم في خدمة المولى عز وجل ووطنه وأميره,كما فعل أسلافه الغر الميامين, أولئك الرجال الذين ينطبق عليهم قول الشاعر عامر بن الظرب «حكيم العرب»:
أُولَئِكَ  قَوْمٌ   شَيَّدَ   اللَّهُ   فَخْرَهُمْ       
فَمَا فَوْقَهُ فَخْرٌ  وَإِنْ  عَظُمَ  الفَخْرُ
أُنَاسٌ إِذَا  مَا  الدَّهْرُ  أَظْلَمَ  وَجْهُهُ       
فَأَيْدِيهِمُ   بِيضٌ   وَأَوْجُهُهُمْ   زُهْرُ
يَصُونُونَ  أَحْسَابًا   وَمَجْدًا   مُؤَثَّلاً       
بِبَذْلِ  أَكُفٍّ  دُونَهَا  المُزْنُ  وَالبَحْرُ
سَمَوْا فِي المَعَالِي  رُتْبَةً  فَوْقَ  رُتْبَةٍ      
أَحَلَّتْهُمُ   حَيْثُ   النَّعَائِمُ    وَالنَّسْرُ
أَضَاءَتْ لَهُمْ  أَحْسَابُهُمْ  فَتَضَاءَلَتْ       
لِنُورِهِمُ   الشَّمْسُ   المُنِيرَةُ   وَالبَدْرُ
فَلَوْ لامَسَ الصَّخْرَ  الأَصَمَّ  أَكُفُّهُمْ       
لَفَاضَ يَنَابِيعَ النَّدَى  ذَلْكَ  الصَّخْرُ
شَكَرْتُ  لَهُمْ   آلاءَهُمْ   وَبَلاءَهُمْ       
وَمَا ضَاعَ  مَعْرُوفٌ  يُكَافِئُهُ  شُكْرُ
وَلَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ البَسِيطَةِ مِنْهُمُ       
لِمُخْتَبِطٍ  عَافٍ  لَمَا  عُرِفَ  الفَقْرُ
ولا بد أن يعرف الجميع ان الشيخ ناصر صباح الأحمد طالب متفوق تخرج في مدرسة عريقة ذات أساس صلب, متينة الأركان, مكتوب على جدارها «كلنا للكويت والكويت لنا», إنها مدرسة صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه التي خرجت ثلة من الرجال الأخيار كبار أبناء الكويت.
أيها السادة, لا تسعنا هذه السطور المبعثرة هنا وهناك وأعترف بأنني لا استطيع إيفاء هذا الرجل حقه, فهو أعلى عيناً مما كتبت.
أسأل الله أن يوفق الشيخ ناصر صباح الأحمد وأن يسدد خطاه في خدمة الله ثم الوطن والأمير.
دمتم سالمين, في أمان الله

ورد ضمن هذا البيت الرائع الشوق والصبابة، فما الشوق وما الصبابة؟ الشوق أيها السادة اسم مصدر «شاق» والجمع «أشواق» والمعنى: نزوع النفس الى الشيء وتعلقها به، قال ابن الأعرابي: الشوق حركة الهوى، وأنت لا تشتاق إلا لمن تحب، اذا فالشوق جزء أصيل من أجزاء الحب، يقول سحيم عبد بني الحسحاس:
أشوقا ولم يمض لي غير ليلة
فكيف اذا خبّ المطي بنا عشرا
أما الصبابة فمعناها قريب جدا من الشوق، فاذا صب المرء الى حبيبته رق وأحبها حبا شديدا، اذا الصبابة: الشوق ورقته، وهذا البيت عنوان الموضوع يدل دلالة واضحة على ذكاء شاعره حيث جمع الشوق والصبابة معا في بيت واحد، والحقيقة ان قلة قليلة من الناس يعرفون قائله، والكثير يعزوه بالخطأ لغير قائله، رغم كثرة المصادر، أيها السادة صاحب هذا البيت «الأبله العراقي» وهذا لقب له، اما اسمه فهو: محمد بن بختيار بن عبدالله، الشاعر المشهور، ذكره العماد في خريدته فقال: هو شاب ظريف يتزيا بزي الأجناد، حلو صناعة الشعر، رقيق الأسلوب، رائق البراعة، انشدني لنفسه سنة خمس وخمسين وخمسمائة للهجرة في بغداد:
زار من أحيا بزورته
والدجا في لون طرته
قمر يثني معاطفه
بانة في ثني بردته
بت أستجلي المدام على
غرة الواشي وغرته
ولد هذا الشاعر سنة 486هـ، في خلافة المقتدي بأمر الله أبوالقاسم عبدالله بن محمد بن عبدالله «467-487هـ» الخليفة السابع والعشرين من بني العباس رضي الله عنه، كان هذا الشاعر على درجة كبيرة من الذكاء، لذلك قيل له الأبله بالضد، كما كان شعره رائجا موافقا للغناء، ومن غرر قصائده قوله:
دعني أكابد لوعتي وأعاني
أين الطليق من الأسير العاني
آليت لا أدع الملام يغرني
من بعد ما اخذ الغرام عناني
يصمي قلوب العاشقين بمقلة
طرف السنان وطرفها سيان
يا أهل نعمان على وجناتكم
تعزى الشقائق لا إلى النعمان
(يتبع)
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

الصفحة 3 من 41