جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

السبت, 06 يناير 2018

جحود النعم

اتدرون ما الذي يضايق الانسان ويؤلمه ويحز في نفسه؟ ان يقابل احسانه بالجحود والنكران، وهذه الصفة السيئة موجودة منذ خلق الله البشر، وما من جاحد في هذه الدنيا العريضة الا وتجده يحمل في جسده المريض صفات سيئة أخرى أقلها الحسد والنميمة.
ولا يظن احد ان جاحد النعمة سيسلم من عقاب الله،لا والله، سيرى مغبة فعله في الدنيا والآخرة وسيبتلى فاحذروا نكران الفضل وجحود النعمة،وجازوا الاحسان بالاحسان، وتفضلوا، كان الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان ولي عهد عمه هشام بن عبدالملك بن مروان، ومن شروط بيعة هشام ان يكون ولي عهده الوليد بن يزيد لان الخليفة قبل هشام يزيد بن عبدالملك وهو الذي كتب هذه الوصية، فبدأ هشام بتدبير عزل الوليد من ولاية العهد والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، إلا أنه صدم بصلابة الوليد واصراره على حقه في ولاية العهد ومن ثم تولى الخلافة حتى ان هشاما قطع عنه كثيراً من مستحقاته كولي عهد، وطرد ندمائه وجلسائه وحاول جاهدا عزله، فكانت مشيئة الله هي الغالبة، مات هشام وتولى الوليد الخلافة وكان قد قال الوليد حين اراد هشام عزله:
كفرت يدا من منعم لو شكرتها
جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
أراك على الباقين تجني ضغينة
فيا ويلهم إن متّ من شر ما تجني
رأيتك تسعى جاهداً في قطيعتي
فلو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
كأني بهم والليت أفضل قولهم
ألا ليتنا إذ ذاك والليت لا تغني
ويعد الوليد بن يزيد من شعراء بني أمية وفتيانهم وطرفانهم تولى الخلافة قرابة السنة منذ 125 هـ وحتى 126 هـ ثم قتل، وبمقتله ضعفت خلافة بني أمية وتحاسدوا وتنابذوا فيما بينهم فقامت الدولة العباسية بعد مقتله بستة اعوام، وقد جر الحديث بعضه بعضا، فإياكم وجحود الفضل والبطر واحمدوا الله على نعمة الأمن والأمان، واشكروا الله على ما حباكم، دمتم سالمين وفي أمان الله.

ونكمل ما بدأناه عن الشاعر الجاهلي أبي دواد، فأقول: تزوج أبودواد امرأة من قومه، فولدت له دوادا ثم ماتت، فتزوج أخرى فآذت ابنه وأولعت به، وأمرت أباه بأن يجفوه ويبعده، وكان يحبها، فقالت له: أخرجه عني، فخرج به وقد أردفه خلفه، إلى أن انتهى إلى أرض جرداء ليس فيها شيء، فألقى سوطه متعمداً وقال: أي دواد، انزل فناولني سوطي، فنزل دواد، فدفع بعيره وناداه:
أدواد إن الأمر أصبح ما ترى
فانظر دواد لأي أرض تعمد؟
فقال له دواد: على رسلك، ثم ناداه:
وبأي ظنك أن أقيم ببلدة
جرداء ليس بغيرها متلدد
فرجع إليه وقال له: أنت والله ابني حقاً، ثم رده إلى منزله وطلق امرأته، وأميز شعر أبي دواد أبياته التي يقول فيها:
منع النوم ماوي التهمام
وجدير بالهم من لا ينام
من ينم ليلة فقد أعمل الليل
وذو البث ساهر مستهام
وفيها يقول:
لا أعد الإفتار عدما ولكن
فقد من قد رزئته الإعدام
من رجال من الأقارب فادوا
من حذاق هم الرؤوس العظام
فهم للملاينين أناة
وعرام إذا يراد عرام
وسماح لدى السنين إذا ما
قحط القطر واستقل الرهام
ويقول يبكي من مات منهم:
سلط الدهر والمنون عليهم
فلهم في صدى المقابر هام
وكذاكم مصير كل أناس
سوف حقا تبليهم الأيام
فعلى إثرهم تساقط نفسي
حسرات وذكرهم لي سقام
سئل الحطيئة الشاعر: من أشعر الناس؟ فقال: أبو دواد، حيث يقول:
لا أعد الإقتار عدما ولكن
فقد من قد رزئته الإعدام
وكانت إياد تفخر على العرب فتقول: منا أجود الناس كعب بن مامة، ومنا أشعر الناس: أبو دواد، وذكر الأصمعي أن ثلاثة كانوا يصفون الخيل لا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي، وأبو دواد الأيادي، والجعدي، فأما أبو دواد فكان على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر. وعن أبي عبيدة قال: أبو دواد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام وبعده طفيل الغنوي والنابغة الجعدي، وروى أبو عمرو الشيباني قال: كانت لأبي دواد امرأة يقال لها: أم حبتر فلامته على سماحته بماله فلم يطعها فصرمته فقال لها:
حاولت حين صرمتني
والمرء يعجز لا محاله
والدهر يلعب بالفتى
والدهر أروغ من ثعاله
والمرء يكسب ماله
والشح يورثه الكلاله
والعبد يقرع بالعصا
والحر تكفيه المقاله
كان مولد أبي دواد الإيادي 146 قبل الهجرة وتوفي قبل الهجرة بـ 79 سنة، وبذلك يكون عاش عمراً طويلاً.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الإقتار: الشدة وضيق العيش وقلة المال، وإقتار: اسم، مصدر: أقتر، وإذا أقتر المرء افتقر، والإعدام نفس المعنى المعروف وهي مأخوذة من العدم. أما قوله «رزئته» فأصيب بمصيبة عظيمة. يقول ابن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام:
إن الرزية يوم مسكن
والمصيبة والفجيعة
يا بن الحواري الذي
لم يعده يوم الوقيعة
قرن الرزية بالمصيبة والفجيعة لعظمها وشدة وقعها على النفس، لنتأمل معاً هذا البيت:
لا أعد الإقتار عدما ولكن
فقد من قد رزئته الإعدام
بيت حكمة صادق، فالمال يذهب ويأتي، لكن إذا ذهب عزيز عليك وغادر هذه الدنيا أحسست بالرزية وبعظم مصابك، تقول أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف تبكي أهلها الذين قتلوا في حرب الفجار:
أبي ليلك لا يذهب
ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوال
بين الدلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتي
ولا يدنو ولا يقرب
بفقد عشيرة منا
كرام الخيم والمنصب
أحال عليهم دهر
حديد الناب والمخلب
وما عنه إذا حل
من منجي ولا مهرب
ألا يا عين فابكيهم
بدمع منك مستغرب
فإن أبك فهم عزى
وهم ركني وهم منكب
وهم أصلي وهم فرعي
وهم نسبي إذا أنسب
وهم مجدي وهم شرفي
وهم حصني إذا أرهب
وهم رمحي وهم ترسي
وهم سيفي إذا أغضب
أما صاحب بيت الشعر عنوان الموضوع فهو الشاعر الجاهلي: جارية بن الحجاج بن بحر بن عصام «أبي دواد الأيادي» شاعر قديم، غلب على شعره وصف الخيل، وله غير ذلك فخر ومدح. روى ابن الكلبي عن أبيه أن أبا دواد الأيادي مدح الحارث بن همام بن مرة، فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن لأبي دواد وهو في جواره، فوداه الحارث، فمدحه أبو دواد، فحلف له الحارث ألا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فضربت العرب المثل بجار أبي دواد، وفيه يقول سيد عبس: قيس بن زهير:
أطوّف ما أطوّف ثم آوي
إلى جار كجار أبي دواد
ولما مات أبي دواد رثاه ابن له يقال له دواد فقال:
فبات فينا وأمسى تحت هائرة
ما بعد يومك من ممسى وإصباح
لا يدفع السقم إلا أن نفديه
ولو ملكنا مسكنا السقم بالراح
«يتبع»
دمتم سالمين، في أمان الله

الثلاثاء, 02 يناير 2018

يا هلي يكفي ملامي والعتاب

لقد أكثر أهل هذا الشاعر المحب عليه من اللوم والعتب «يا هلي... يكفي ملامي والعتاب» به ما يكفيه فلا تكثروا عليه, ما هي معاناة هذا الشاعر؟ هو يقول: «لا تلوموني ترى قلبي صويب» لن يجدي عذلكم وتوبيخكم لي, أنا في واد وانتم في واد!! لقد أصاب قلبي سهم نافذ, انه سهم الحب يا سادة، ثم ماذا يقول: «علموني واصدقوا برد الجواب» هو يريد من أهله الحقيقة والصدق, يسأل أهله عن حبيبه: أين هو؟ «خبروني يا هلي وين الحبيب؟» وواضح ان اخبار هذا الحبيب انقطعت عنه, وربما يكون أهله عندهم خبر عنه, إلا أنهم يخفون ذلك عنه خوفا من تضاعف معاناته, ثم يصف حاله قائلاً:
ناحل «ن» جسمي وأنا بعز الشباب.. ارحموني يا هلي قبل المشيب، بات نحيلا هزيل الجسم ضعيفاً بسبب غياب هذا الحبيب, رغم أنه في عز شبابه, إلا ان الحب انهك قواه واثخنه جراحا, لذلك يتوسل أهله مساعدته والوقوف إلى جانبه قبل ان يغزوه الشيب, هي صيحة ألم وحزن مؤثر, ولم يستنجد هذا الشاعر بصاحب وانما بأهله, لانه يعلم انهم العزوة والملجأ والملاذ, ثم يعرض على أهله امراً ربما يكون فيه خلاص لألمه ومعاناته فيقول:
وصلوا للزين من عندي كتاب
خبروه بالحال يا عله يجيب
يطلب من أهله ان يبعثوا لحبيبه رسالة يشرحون خلالها الحالة المتردية التي وصل اليها, فربما يحن ويرق له عندما يعرف انه اصبح في حالة يرثى لها, وحالة هذا الشاعر تذكرني بقول العباس بن الاحنف:
الحب أول ما يكون لجاجة
تأتي به وتسوقه الاقدار
حتى إذا دخل الفتى لجج الهوى
جاءت امور لا تطاق كبار
ثم نطالع معا البيت الاخير لهذا المحب الذي اضناه الهوى:
ما أذوق النوم أو طعم الشراب
من بعاده عيشتي عيشة غريب
ابتلي المسكين بالسهر والأرق وقلة الراحة, حتى انه لا يذوق من الطعام إلا ما يسد رمقه, اثر فيه بعد هذا الحبيب تأثيرا بالغا, حتى اصبح كالغريب بين أهله, فيالها من معاناة!! انها أحاسيس في غاية الروعة, وقصة حب مؤلمة صاغها لنا: وليد جعفر رحمه الله صاحب هذه الابيات الرائعة وهو اديب من اسرة كريمة فاضلة عرف عنها حبها للشعر والأدب على رأسها السيد عبدالعزيز جعفر وكيل وزارة الاعلام السابق صاحب الصوت الاذاعي المتميز, وماما انيسة جعفر والموسيقار عامر جعفر، والاخ العزيز سعد عبدالعزيز جعفر وكيل الاذاعة سابقاً والأديب السفير خالد محمد جعفر ولا شك أن الادب والشعر رسالة فنية سامية, وخال وليد محمد جعفر الشاعر الكويتي الكبير: محمود شوقي الأيوبي كان ضابطاً في الجيش الكويتي, ولد عام 1937 ومعروف عنه عدم حبه للظهور الاعلامي رغم انه من الشعراء المتميزين باللغة العربية والنبطية, له ديوان شعر واحد «آهات قلبي» وقصيدته الشهيرة «يا هلي» لحنها عبدالحميد السيد رحمه الله ليغنيها, إلا ان وزير الاعلام السابق الشيخ جابر العلي طلب منه ان يغنيها عبدالحليم حافظ فغناها الاخير سنة 1965م، ولوليد جعفر اغان كثيرة لعوض دوخي وخليفة بدر ومصطفى احمد وهيام يونس وغيرهم, وقد توفي في لندن سنة 1997م.
انتهى حديثي باختصار.
دمتم سالمين, في أمان الله

أكمل ما بدأته من قصة هذه الأبيات، يقول المتنبي: سرت من الرملة أريد أنطاكية سنة ست وثلاثين وثلاثمئة فنزلت بطرابلس، وبها إسحاق ابن ابراهيم بن كيغلغ وكان رجلا جاهلا يجالسه ثلاثة من بني حيدرة، بيني وبين أبيهم عداوة قديمة فقالوا له: ما يحب أن يتجاوزك المتنبي ولم يمتدحك، وإنما يترك مدحك استصغارا لك، وجعلوا يغرونه بي، فراسلني إسحاق وسألني أن أمدحه فاحتججت بيمين علي ألا أمتدح أحداً إلى مدة، فعاقني عن سفري ينتظر انقضاء المدة، وأخذ علي الطرق، ومات أبناء حيدة الذين أغروه بي في مدة أربعين يوماً، فقلت أهجوه وأنا بطرابلس أبياتاً أمليتها على من أثق به. فلما ذاب الثلج وخف عن لبنان خرجت كأني أسير فرسي، وسرت إلى دمشق فاتبعني ابن كيغلغ خيلا ورجالا فأعجزتهم «انتهى ما قاله المتنبي» وابن كيغلغ هذا شاعر من شعراء الدولة العباسية، قال الباخزري في حقه: في الطبقة من أبناء عصره وفي الدرجة من أفراد دهره وهو القائل:
لسكر الهوى أروى لعظمي ومفصلي
إذا سكر الندمان من لذة الخمر
وأحسن من قرع المثاني ونقرها
تراجيع صوت الثغر يقرع بالثغر
ولما دعوت الصبر بعدك والبكا
أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر
«وللأمانة التاريخية ذكر أن هذه الأبيات للشاعر أبوجعفر العذري»
وقد قتله غلمانه «ابن كيغلغ» بجبلة من ساحل الشام، فورد الخبر إلى أبي الطيب المتنبي، وهو بمصر فقال يهجوه:
قالوا لنا: مات إسحاق! فقلت لهم
هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
إن مات، مات بلا فقد ولا أسف
أو عاش، عاش بلا خَلق ولا خُلق
فسائلوا قاتليه كيف مات لهم
موتا من الضرب أم موتاً من الفرق
وأين موقع حد السيف من شبح
بغير جسم ولا رأس ولا عنق
لولا اللئام وشيء من مشابهة
لكان ألأم طفل لف في خرق
والظاهر أن ابن كيغلغ لم يظلمه المتنبي في هجائه له، فقد هجاه الشاعر ابن كشاجم فقال فيه وقد أفتصد:
يا فاصدا شق عرق إسحاق
أي دم لو علمت مهراق
سفكته من يد معودة
لنيل مال وضرب أعناق
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في آمان الله.

بيت من أبيات المتنبي الشهيرة، وكل أبيات وأشعار أبوالطيب من خيار الشعر العربي، وقد سألني الكثير من متابعي هذه الزاوية عن معاني هذا البيت وشرحه، قال الواحدي: يقول المتنبي سريرة الهوى لا تعرف، ولا يدري من أين تأتي كما قال إن المحبة أمرها عجب، تلقى عليك ومالها سبب، وقوله «عرضاً» أي فجاءة، واعتراضاً عن غير قصد، مثل قول عنترة بن شداد:
علقتها عرضا وأقتل قومها
زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
يقول: نظرت إليها نظرة عن فجاءة وخلت اني اسلم من هواها، وقال أبو العلاء المعري الشاعر في شرح هذا البيت الرائع: قوله عرضاً أي من غير قصد، فللهوى سر لا يعرف لطفه ودقته، ولا يوقف عليه إلا بعد ابتلاء به، ونظرت من غير قصد وما ظننت أن الظن يوقعني في حبائل الهوى، بل قدرت أني أسلم ولا أهلك فخاب الظن الذي ظننته «انتهى».
وعندي أيها السادة أن شرح المعري أعم وأشمل من شرح الواحدي، يقول أبوالطيب المتنبي:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم
عرضاً نظرت وخلت أني أسلم
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى
لأخوك ثم أرق منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده
أن المجوس تصيب فيما تحكم
راعتك رائعة البياض بمفرقي
لو انها الأولى لراع الأسحم
لو كان يمكنني سفرت عن الصبى
فالشيب من قبل الأوان تلثّم
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى
يققاً يميت ولا سواداً يعصم
والهمّ يخترم الجسيم نحافة
ويشيب ناصية الصبي ويهرم
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق
ينسى الذي يولى وعاف يندم
لا يخدعنك من عدو دمعه
وارحم شبابك من عدو ترحم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
يؤذي القليل من اللئام بطبعه
من لا يقل كما يقل ويلؤم
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه
ما بين رجليها الطريق الأعظم
وقد تركت البيت الأخير حفظاً لأدب الكتابة.
«يتبع»
دمتم سالمين، في أمان الله

أيها السادة، أكمل ما ذكرته لكم في الجزء الأول، وأقول: لعمرو بن الأهتم شرف ورياسة وسؤدد وسيادة في الجاهلية والإسلام، وكان أبوه وجده من سادات بني تميم، عمر عمراً طويلاً وله ذكر وكفاية في فتوحات فارس، وفد على عمر بن الخطاب في خلافته هو والأحنف بن قيس، فأراد عمر أن يقرع بينهما في الرياسة، فلما اجتمعت بنو تميم قال الأحنف:
ثوى قدح عن قومه طالما ثوى
فلما أتاهم قال: قوموا تناجزوا
فقال عمرو بن الأهتم: إنا كنا وأنتم في دار جاهلية، فكان الفضل فيها لمن جهل، فسفكنا دماءكم، وسبينا نساءكم، وإنا اليوم في دار الإسلام، والفضل فيها لمن حلم، فغفر الله لنا ولك. فغلب يؤمئذ عمرو بن الأهتم ووقعت القرعة لآل الأهتم فقال:
لما دعتني للرياسة منقر
لدى مجلس أضحى به النجم باديا
شددت لها أزري وقد كنت قبلها
لأمثالها مما أشد إزاريا
روى الطبري في تاريخه وابن كثير وغيرهما أن وفد تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمرو بن الأهتم سنة تسع وهم وجوه بني تميم ومنهم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر، فأسلموا وكان أحدثهم سنا عمرو بن الأهتم، ففخر الزبرقان على الوفد وقال: يا رسول الله، أنا سيد تميم والمجاب فيهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك، يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد! فقال عمرو: وأنا أحسدك؟! فوالله إنك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض في العشيرة، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في البيان لسحرا» أو كما قال، ولما اعطاهم النبي جوائزهم كان عمرو بن الأهتم في ركابهم فقال لهم: «ما بقي منكم أحد؟» فقال قيس بن عاصم وكان بينه وبين عمرو بن الأهتم مشاحنة: لم يبق منا أحد إلا غلام حدث في ركابنا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم، فبلغ عمراً قول قيس فقال:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني
عند النبي فلم تصدق ولم تصب
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم
والروم لا تملك البغضاء للعرب
فإن سؤددنا عود وسؤددكم
مؤخر عند أصل العجب والذنب
ذكرت بعض المصادر أن وفاة عمرو بن الأهتم كانت سنة 57 هـ، وقيل غير ذلك.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

الأرض لا تضيق بأهلها فهي شاسعة واسعة، إنما أخلاق الناس وطباعهم هي التي تضيق، ضيق الله على من يضيق على الناس، هناك أناس تضيق أخلاقهم وصدورهم لأنهم يفتقرون الى السماحة، وفي ذلك يقول بشار بن برد:
ولا ضاق فضل الله عن متعفف... ولكن أخلاق الرجال تضيق
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق»، ومن الأبيات التي يتمثل بها قول عمرو بن الأهتم:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها...
ولكن أخلاق الرجال تضيق
بيت حكمة وواقع ملموس، صالح لكل زمان ومكان، والأجمل من بيت الشعر صاحبه، فهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال له لما سمع حديثه: «إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا» انه عمرو بن الأهتم واسم الأهتم «سنان» بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر التميمي، وله كنيتان: أبو ربعي، وأبو نعيم وهما ولداه، ومن قصة بيت الشعر أن زوجته عذلته على جوده وكثرة انفاقه، فلم يعجبه ذلك وقال:
ألا طرقت أسماء وهي طروق
وبانت على أن الخيال يشوق
ذريني فإن البخل يا أم هيثم
لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحطي في هواي فإنني
على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
وإني كريم ذو عيال تهمني
نوائب يغشى وزرها وحقوق
وكل كريم يتقي الذم بالقرى
وللخير بين الصالحين طريق
نمتني عروق من زرارة للعلى
ومن فدكي والأشد عروق
وفي ضيفانه يقول:
فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
فهذا صبوح راهن وصديق
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت
مقاحيد كوم بالمجادل روق
هذه بعض أبيات وشعر عمرو بن الأهتم يسمى: الحلل المنتشرة، وكان جميل الصورة للغاية حتى لقب «المكحل» لجماله، وكان شاعرا خطيبا شجاعا متكلما حاضر الجواب، ارتد عن الاسلام ثم عاود اسلامه، وقد لقب أبوه بالأهتم لأن قيس بن عاصم المنقري سيد أهل الوبر ضربه بقوس فهشم اسنانه، فصار سنان يدعى الأهتم، والأهتم في اللغة من انكسرت ثنايا أسنانه من الأصل.
«يتبع»
دمتم سالمين، في آمان الله.

أيها الأحبة، هذا هو حال العاشقين، يلام نصيب فيما قاله. تعالوا نتعرف على هذا الشاعر، جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي انه: نصيب بن رباح مولى عبدالعزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الاسلاميين، كان عبدا لرجل من كنانة من اهل ودان، عرف بالفصاحة والتقدم في النسيب والمديح والترفع عن الهجاء والعفة وله مراث حسنة وقال صاحب الاغاني ان الذي اعتقه عبدالعزيز بن مروان وهو القائل والبعض يظن انها لعنترة بن شداد:
فإن أك حالكا فالمسك احوى
وما لسواد جلدي من دواء
ولي كرم عن الفحشاء ناءٍ
كبعد الأرض من جو السماء
ومثلي في رجالكم قليل
ومثلك ليس يعدم في النساء
فإن ترضي فردي قول راض
وإن تأبي فنحن على السواء
وعلى نفس المعنى قال نصيب:
ليس السواد بناقصي ما دام لي
هذا اللسان الى فؤاد ثابت
من كان ترفعه منابت اصله
فبيوت اشعاري جعلن منابتي
كم بين اسود ناطق ببيانه
ماضي الجنان وبين أبيض صامت
ذكر صاحب الأغاني ايضا ان اهل البادية يدعونه النصيب تفخيما له وقال: كان اول دخوله على عبدالعزيز بن مروان وهو عبد لم يعتق وما ان رأى عبدالعزيز حتى قال:
لعبدالعزيز على قومه
وغيرهم منن غامره
فبابك أسهل أبوابهم
ودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرين
من الأم بابنتها الزائره
وكفك حين ترى المعتقين
أندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناء
بكل محبرة سائره
فاشتراه عبدالعزيز بألف دينار وأعتقه، فأصبح مولاه. توفي نصيب عام 108 هـ في خلافة هشام بن عبدالملك وقد ورد ذكر الأمير عبدالعزيز بن مروان والد الخليفة الصالح عمر بن عبدالعزيز، واخو الخليفة عبدالملك بن مروان المولود في المدينة المنورة عام 27 هـ، أما نسبه فهو: عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن ابي العاص بن امية بن عبدشمس بن عبدمناف بن قصي بن كلاب، امه ليلى بن زبان بن الأصبغ بن عمرو الكلبية.
يعد عبدالعزيز بن مروان من اشهر امراء بني امية، وكان ولي عهد عبدالملك، عرف بكرمه الشديد والشجاعة وحسن الرأي وهو الذي بنى مدينة حلوان في مصر، تزوج ام عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فأنجبت له عمر وله من الأبناء من غير أم عاصم: الأصبغ، محمد، سهيل، عاصم، أبوبكر، توفي عبدالعزيز بن مروان في المدينة التي بناها سنة 85 هـ.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

لا شك أن بيت الشعر هذا من الأبيات الغريبة، فعندما تتأمله تتساءل: هل حقا أهل العشق مساكين؟ وهل يقبل مثل هذا الرأي ممن ذاق مرارة العشق؟ حتى أن حياة العاشقين عنده لا تساوي درهما! لا شك ان هذا الشاعر يرثي حال العاشقين لانه جرب مرارة العشق ورأى ما به من الذل والحرمان والتعب والنصب, فهو صاحب تجربة مريرة في العشق, وجد من خلال هذه التجربة ان ضرره اكثر من نفعه, وتعبه اضعاف راحته, من هنا قال هذا الشاعر ما قال, ولهذا البيت حكاية, فقد روى ابو الفضل الربيعي ان نصيب الشاعر دخل على مولاه عبدالعزيز بن مروان امير مصر لأخيه عبدالملك بن مروان, فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم. فقال له: من؟ قال: جارية لبني مذحج عشقتها، أصلح الله الأمير، فاستكلف بها الواشون, فما كنت أقدر على كلامها إلا بعين أو بنان, أو اشارة على طريق, او ايماء وبذلك أقول:

جلست لها كيما تمر لعلني ... أخالسها التسليم إن لم تسلّم
فلما رأتني والوشاة تحدرت ... مدامعها شوقا وإن لم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتري
جميع حياة العاشقين بدرهم
واضح ان نصيب يرثي حال العاشقين الذي هو في جملتهم ولولا تجربته لما ابدى رأيه فيهم ولا أخاله جانب الحقيقة فما من عاشق إلا ويشكو من معاناته، فعاشق يشكو الهجر وآخر يشكو خيانة حبيبه, ولا ننسى ان العشق أعلى درجات الحب على الاطلاق لأنه التعلق الشديد بالحبيب، وعندما يصل المحب الى هذه الدرجة يفقد اتزانه يقول ابن الابار ابو عبدالله بن عبدالله بن ابي بكر القضاعي البلنسي
«595 - 658هـ»:
أبين واشتياق وارتياع
لقد حملت ما لا يستطاع
تملكني الهوى فأطعت قسرا
ألا إن الهوى ملك مطاع
ويقول ثاني سلاطين عمان الامام سعيد بن الإمام احمد البوسعيدي «1104 - 1198 هـ»:
يا من هواه أعزه وأذلني
كيف السبيل إلى وصالك دلني
فتركتني حيران صبا هائما
أرعى النجوم وأنت في عيش هني
«يتبع»
دمتم سالمين, في أمان الله.

الصفحة 2 من 41