جريدة الشاهد اليومية

هشام الديوان

هشام الديوان

بين السطور

هناك منظمات لم تأخذ طابع السرية، أبناء الحرية واحدة منها، ضمت بول ريفر وصامويل أدمن وجون هانكوك، ظهرت الى الوجود قبل حرب الاستقلال، عرفت باجتماعات اعضائها تحت اشجار الدردراء متهمين بارتكاب أعمال ارهابية واجرامية بدعوى محاربة الاستعمار.

بعد الماسونية والجمجمة والعظام وبعد جمعية التنوير هناك منظمة ابناء الحرية، لكن قبل ان نخوض في تاريخ ومعلومات عن هذه الجمعية لابد من الاشارة الى ان مكتب الباتف اصدر في جريدة أميركا اليوم ustoday في الثلاثين من يناير 1995 تقريرا قال فيه ان عام 1994 وحده شهد ظهور ميليشيات مسلحة في اربع وعشرين ولاية اميركية وان هذه الجهات اجتذبت نحو خمسين الف فرد مدرب، وقال التقرير ان هؤلاء المسلحين يناصبون الحكومة الاميركية العداء، واخطر ما في هذا الموضوع ان هذه المعلومات تم تأكيدها من قبل مركز متخصص بالقانون والدفاع عن الفقراء والمعوزين يدعى ساوثيرن بوفيرتي لوسنتر، وساوثيرن تعني الجنوبي وبوفيرتي تعني الفقر والمجاعة ولو تعني القانون وسنتر تعني مكتب او مركز بما يعني ان مكتب او المركز القانوني الجنوبي للدفاع عن الجوعى قد رصد مصدر هذه التحركات المعادية للحكومة الفيدرالية وهي المنظمات الصهيونية مثل منظمة فروة الرأس والمدافعون عن التفوق العرقي الابيض ومنظمة الهوية المسيحية وقد يفهم من مصطلح الميليشيات المسلحة انهم افراد ولو بالآلاف مدججون بأسلحة خفيفة او قنابل يدوية او صواريخ محمولة او قاذفات مضادة للدروع وهي كلها اسلحة تصنع وتباع علنا في الولايات المتحدة، انما المقصود هنا انها مسلحة بأسلحة دمار شامل معه كل الانواع، مواد شديدة التفجير وقنابل وطائرات وصواريخ واسلحة كيماوية وبيولوجية وفي جلسة للكونغرس عام 1995 حذر ثلاثة من الخبراء المتخصصين من ان الارهاب الداخلي في اميركا اشد خطورة عليها من الارهاب الخارجي ايا كان مصدره لنعد الآن الى جمعية ابناء الحرية التي يشكل احد فروعها الموجود في ولاية اريزونا مصدر قلق حقيقي للسلطات الفيدرالية الاميركية فأول اهداف هذا التنظيم هو فصل اريزونا عن بقية الدولة الاميركية اي اعلان استقلالها وغير ان هناك اهدافاً مشتركة كثيرة للمنظمات السرية التي حكمت اميركا بأكملها من خلال القادة

او الرئيس أو الرؤساء أو الوزراء النافذين او حكام الولايات او المافيات او الكتل الصناعية التي تقاسمت الاسواق في مجالات الصناعة الحيوية والمشروبات الروحية والادوية والاغذية والملابس والسيارات والاجهزة الالكترونية والصناعات الخاصة بالسلاح والطيران المدني والعسكري والصناعات البحرية والاحزاب ونقابات العمال والفنانين في مجالات الطرب والسينما والمسرح ووسائل الاعلام، الا ان ابناء الحرية sous of Liberty كانت قد تأسست في عام 1760 في نيويورك وكانت في بداية انطلاقتها موجهة لهدف اكبر هو مناهضة بريطانيا كرد فعل على ممارسات بريطانيا ضد سكان المستعمرات الاميركية، ونيويورك الولاية هي السابعة والعشرين من حيث المساحة بين بقية الولايات، تقع ولاية نيويورك التي كانت مدخل المهاجرين الى اميركا ومنها دخل اغلب او ثلثي السكان الذين اسسوا الدولة الاتحادية في الشمال الشرقي وهي غير نيويورك المدينة التي يبلغ عدد سكانها اكثر من ثمانية ملايين نسمة وهي الاكثر اكتظاظاً بالسكان ويشكل سكانها نحو اربعين في المئة من سكان ولاية نيويورك التي تمتد حدودها حتى كيبك في الشمال الغربي واونتاريو في الشمال ورودآيلاند في الشرق والولاية تحتل الترتيب السابع بعدد السكان من بين بقية الولايات الاميركية وكان الايطالي جيوفاني دي فيرازاتو اول من اكتشف سواحل ولاية نيويورك عام 1524 الا ان الدخول التجاري لها تم على يد هنري هدسون الانكليزي عام 1609 وهو من شركة الهند الشرقية الهولندية وادعى يومها ملكيتها الى هولندا، وسرعان ما احتلها الانكليز وغيروا اسمها الى نيويورك نسبة الى دوق يورك واستعادها الهولنديون ثم عاد الانكليز السيطرة عليها وظلت تحمل اسم نيويورك ومنها ابناء الحرية التي اتخذت الكثير من العصابات والمنظمات.

الجمعة, 29 مايو 2015

قضايا تبحث عن حلول عصرية

ليس من عادتي ان أخوض لا في السياسة ولا في القضايا التي تصدر فيها احكام قضائية، فالسياسة لها أهلها وللقضاء أهله، والأصل ان السياسة قابلة لاجتهادات كثيرة ومصالح أكثر، لكن القضاء يفترض ان يظل مستقلاً اينما كان، وبالتالي فأصحاب الاختصاص وهم في الغالب القضاة أو الحكام ولا أقصد القادة والزعماء وانما رؤساء المحاكم، هم أصحاب الاختصاص، واستقلال القضاء يقصد به ابقاؤه بعيداً عن نفوذ السلطات الأخرى بكل انواعها، والسلطة هنا لا يقصد بها الحكومة وحدها، فالبرلمان سلطة وهو ممثل للشعب، وهناك الآن في كثير من الدول المتقدمة مراكز نفوذ أو لوبيات ضغط وهيئات عليا ومؤسسات مجتمع مدني، والأخطر من هذا كله السلطة الرابعة أي الإعلام الذي حل محل الصحافة وباتت الأخيرة جزءاً منه بعد دخول الفضائيات والشبكة العنكبوتية والايميل والهواتف الذكية والبرامج المستخدمة في وسائل التواصل الاجتماعي، والأصل ان يبقى القضاء في حالة حياة، ولأن قضاة المسلمين يخشون النوم ليلاً خوفاً من الله من احتمال وقوعهم في خطأ قد لا يوفر لهم ضمانات ترضي الرحمن وتجعله يعفو عنهم، والبرلمانات أو المجالس النيابية التي تتشكل بإرادة شعبية وانتخاب حر وان كان ليس في كل الدول التي تشهد مثل هذه الممارسات فبعضها يكون معداً سلفاً ونتائجه مقررة ومحسومة وبعضها الآخر يتم التصويت فيه بالاجبار أو تحت التهديد أو التخويف، والتخويف هنا قد يكون دينيا وليس بالاكراه الجسدي والترهيب الديني اكثر ايلاماً وقسوة وتضليلاً، وحتى لا يذهب الجزء المتبقي من المقال في بيان وجهة نظر شخصية من رجل عمل أميناً عاماً للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وأوروبا وقدم مئات الحلقات التلفزيونية الحوارية عن سيادة القانون وحقوق الانسان، اقول اني  وجدت نفسي مرغماً على الكتابة وانا لا اعرف ان كان سيكون هناك مجال لنشرها في يوم ما أم لا، كتبتها في يوم صدور حكم بإعدام المراهق الشيشاني جوهر تسارناييف بحقنه بمادة قاتلة بدلاً من سجن مؤبد كما قضت محكمة بوسطن التي حوكم فيها بعد اشتراكه مع شقيقه في تفجيرات ماراثون بوسطن في عام 2013، جوهر البالغ من العمر واحداً وعشرين عاماً كان في التاسعة عشرة من عمره يوم الحادث الاجرامي، نعم اجرامي ولا يمكن ان يكون غير ذلك، قتل الناس ايا كان المبرر والحجة ما لم يكن عن طريق حكم قضائي وعبر قضاء عادل وبوجود اصحاب اختصاص من القضاء الواقف «المحامين» فإنه اجرام، لكن جوهر مضلل وحتى اخاه الذي قال محامو الدفاع انه غرر به وأجبره على الاشتراك معه في الجريمة وقضى بعدذلك، كان شابا يافعاً مغلوباً على أمره، في الولايات المتحدة عصابات ومافيات ونفوس مريضة وناس جهلة  على الرغم من عظمة الدولة وتفوقها على العالم وهناك قادة وزعماء في اميركا مهوسون او عديمو الثقافة او ناقصو المعلومة ولعل الاخوين الشيشانيين قداستفزا او غرر بهما، لكن ان يصدر حكم اعدام بحق شاب مثل جوهر حرام وحتى قرار احالة اوراق الرئيس المصري المعزول محمد مرسي الى القاضي الشرعي اي بداية أو مشروع حكم اعدام، مسألة تستوجب النقاش، ولا يجوز ان تكون كل احكامنا اعدامات سياسية، سيزعل حبيب لي على وجهة نظري هذه لكنه لا يحبني وانما يحترمني كما قال ولن تزيد وجهة نظري نفوره او عدم محبته لي، لأنها لن تغير من محبتي واحترامي له خاصة بعدما عرفته عن قرب وهو افضلهم وان عرفوا بوجهة نظري عنهم، الاعدام يعني قتل انسان باجراء قضائي، اوروبا تعارض الاعدام والمادة الثانية من الحقوق الاساسية للاتحاد الأوروبي يمنع تطبيق هذه العقوبة ومنظمة العفو الدولية لديها دراسة تقول ان معظم دول العالم تؤيد إلغاء الإعدام لكن الاحصاءات تقول ان 60٪ من سكان العالم يعيشون في دول تطبق عقوبة الاعدام مثل الصين واميركا والهند واندونيسيا.. انا شخصيا لا ارى الحروب حلولا ولا الاعدام عقوبة صحيحة الآن.

في عام 1993 بدأت الصين رحلتها الحقيقية نحو الخروج من شرنقة المأزق الشيوعي التقليدي المتطرف النزعة في القيم الى افتقاد السوق «هذه النقلة التي ساعدت هذه الأمة الجبارة على محو ماضٍ قريب الى الفقر منه إلى الثراء.. قريب، وتقتصر على الزراعة والانتقال الى الصناعة والانتاج الهائل بعدما شرعت في اعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.. اقتصاد وطني بحجم اقتصاد العالم وليس بحجم اقتصاد أزمة المناخ.. الكويتيون في اوائل القرن الماضي توافقوا مع تجارة اللؤلؤ وأسسوا بالاتفاق مع الحاكم قاعدة اقتصادية سمحت ببناء اول المدارس «المباركية عام 1911» ثم «الاحمدية» في عام 1921، ولي دراسة قصيرة في هذا المجال ضمن كتابي عن حياة المرحوم مساعد الصالح، هذه الظاهرة التي ادخلت السيارات من استخدامات الجيش البريطاني في البصرة الى الكويت وكان اول من اكتشف مياه الروضتين ثم ادخل صناعة الكاشي وورش تجارة الاثاث واول من ادخل المصاعد «lift - elevaTor» « eleva tor «lirt» إلى بنايات السكن ومصاعد الاسواق أو السلالم المتحركة «Escatator» وكان سببا في هبوط اول طائرة ركاب مصرية نفاثة في مطار النزهة بعد معارضة وتخويف من مدير الطيران المدني البريطاني وقتها.. الكويت منذ ظهورها على الخارطة كان لها وضع مميز غير أنها وبعد ظهور عصر اللؤلؤ صارت مركزا محركا للتجارة في المنطقة من خلال ما بين 400 - 600 سفينة شراعية او اكثر جابت الخليج وحتى الهند قبل ان تستقل منها باكستان وبنغلاديش.. هذه التجارة حركت ضفتي الخليج وانعشت البصرة ومكنت الكويت من شراء البساتين على ضفاف شط العرب وتملك اراض زراعية فيها ملايين النخيل التي كان ثمرها «التمر» وسيلة رزق لآلاف العوائل في المنطقة.. وادخلت الكويت روح العصر الى المنطقة.. بالسيارات والتجارة العامة وبالتلفزة والاذاعة والصحافة الحرة والدستور والانتخابات وصندوق التنمية ومجلة العربي وهيئة الجنوب والخليج العربي واليوم بمؤتمرات المانحين للشعب السوري ونحن نتحدث عن مليارات.. لكن السوق المالية الكويتية لم تتحرك ولم تستفد من قوة الدولة.. الاقتصاد في الكويت قطاع خاص معفى من كل انواع الضرائب.. اقتصاد قدمته الدولة من خلال اموال النفط والاستثمارات والمناقصات والمقاولات وأمور كثيرة.. لكنه لم يستطع تجاوز صغر السوق وقلة العائدات غير النفطية.. في الصين وعندما كان عدد السكان 1.2 مليار فقط عام 1993 استطاعت تجربة اعادة هيكلة الاقتصاد الصيني، توفير المأكل والملبس لخمس سكان العالم.. أسست لوضع جديد واقتصاد جديد ونشاط تجاري وصناعي جديد جعل المنتجات الصينية متاحة بأرخص الاسعار في اغلب اسواق العالم. حتى الاسواق الأميركية والأوروبية باتت تعتمد في جزء غير قليل منها بنسبة عالية على المنتجات الصينية من القلم والابرة الى المعدات الثقيلة وكل الاحتياجات المنزلية والصناعية بما في ذلك السيارات وبعدها الطائرات والزوارق وقاطرات النقل.. وهكذا.. في الصين اليوم خمس مناطق اقتصادية تطبق سياسات اقتصادية خاصة.. فيعتمد اقتصاد المناطق على اجتذاب رؤوس الاموال الاجنبية والاستفادة منها ومن منتجاتها للتصدير وبذلك فان اقتصاد المناطق الخاصة يكون وحدة جامعة مكونة من المؤسسات المشتركة الاستثمار والمؤسسات التعاونية بين الصين والاجانب والمؤسسات الاجنبية الاستثمار بشكل اساسي. الى جانب وجود اشكال اقتصادية متنوعة اخرى غير ان اهم العوامل المتبعة تكمن في القدرة على تكييف الأسواق ضمن الحركة الاقتصادية في المناطق الخاصة وكل ذلك مرتبط بامتيازات وتسهيلات في الضرائب وسواها.

الإثنين, 25 مايو 2015

مهنة المتاعب والحروب

في مرات كثيرة قررت أن ابتعد عن العمل الإعلامي، الصحافي والتلفزيوني، فقد خسرت بسببه الكثير، الحمد لله لم يعق لي حج بيت الله، ذهبت ما يكفي وأكثر من المطلوب، لكن لم اشبع ولم ارتوي، حججت البيت الحرام أول مرة مع زوجتي ثم تعددت المرات إلا ان اهمها واكثرها وقعاً وأثراً كان برفقة كبار أهل العزم من أصحاب البيت، وقتها كان للدخول الى البيت وقع آخر، والمكوث معهم في القصر الملكي ثم في المخيم الملكي ثم ثم.. ناس كرام أحبهم الله واكرمني بهم، بسبب الاعلام تعرفت عليهم وتعرفت على أغلب القادة العرب وتعاملت معهم وربطتني مع بعضهم أواصر احترام وتقدير ومحبة، وقوبلت منهم بكل تقدير إلا قادة العراق الحاليين، وهم ليسوا معي وليسوا مع بلدهم، قدمناهم في وقت قوة صدام وجبروته وعرفنا بهم من لا يعرفهم، وتأملنا خيراً لكن.. وهذه واحدة من اكثر اسباب عزوفي عن العودة للعمل الاعلامي، جربت التجارة في لندن، لكني رجل إعلام، وعدت الى الكويت تقرباً من بيوت الله ومن البيت العتيق... الصحافة اذاقتني المر، كما اذاقتني الحلو، وبسببها أودعت في مكان ما ثلاثة اسابيع تهت فيها عن كل شيء إلا الله، ولم اكذب من قبل عندما قلت على الهواء اني عرفت الله في الكويت، الصحافة تحول احياناً الىعلقم مر، خصوصاً عندما تكون صاحب مبدأ، والمبدأ هنا ليس حزباً، فلست منهم في شيء ولن اكون، لكن المبدأ ان تخاف الله وان تكون على العهد، تحب الله ويحبك، وتفخر ان يكون الثمن ثباتك على العهد، فتدفع ما تدفع، في مرات عدة قلت لنفسي يكفي، فقد ابتعدت عن عائلتي واصحابي وانقطعت عن العمرة وعن وعن.. وبدلاً من ذلك كانت الحرب العراقية - الايرانية قد اصابتني بالفزع «الخوف»، الموت حق، لكن الدم والقتلى والابرياء، ثم تكررت نفس المشكلة وانا في أوروبا عندما اندلعت حرب البوسنة والهرسك عام 1992 واستمرت لغاية عام 1995 وهو نزاع دولي مسلح وصراع مصالح وقتل بالجملة للبشر، وما اقذر الحروب أياً كانت أسبابها، وقتها كنت قد عدت الى العمل الصحافي ولم امارس العمل التلفزيوني فاقشعر بدني لهول ما رأيت، في الحرب العراقية - الايرانية كنا نعود، نهرب من الموت ومن مناظر الموت والدماء، لكن في البوسنة، الهرب صعب فأين تذهب والمنطقة ملتهبة، ثم في عام 1998-1999 وانا اعمل في تقديم برامجي التلفزيونية، اندلعت حرب كوسوفا فكانت ألعن من سابقتها، فقد تدخلت قوات الناتو وقتها وقصفت يوغسلافيا السابقة لفك الحصار ووقف حرب الابادة، مات الكثيرون ووقعت مجازر، ولعنت الصحافة والاعلام، كنت لازلت رئيساً لتحرير مجلة «الشاهد السياسي» ارث «BBC» العربي الاسبوعي، وكنت اقدم في «ANN» برنامجي اليومي «الحوار المفتوح» وتطلب الأمر السفر الى مواقع القتال لنقل صورة حية عن بلاوي الحرب ومجازر الابادة والمشردين، ومن ألبانيا الى كوسوفا، والموت يسحب اذيال الناس تباعا، وفي الحروب الثلاثة مات الكثيرون ومنهم اعلاميون، ثم جاء الاجتياح الاميركي للعراق في مارس 2003 ادُخلت مع الصحافيين ووفد «LBC» الى البصرة، وبعدها قررت ألا أدخل العراق، مع اني كنت اول من ظهر تلفزيونيا وهو يقبل يدي والدته ولو كنت فعلت ان قبلت قدميها لكان شرف لي، قلدني فيه آخرون.

الأحد, 24 مايو 2015

شاكير وكثيرون سواها

لا أدري لماذا تتباكى صحيفة عالمية مثل «فاينانشال تايمز» على العرب كأنها متعاطفة معهم، هذه الصحيفة العملاقة التي تتمتع بمصداقية حتى وهي منحازة بشكل أو آخر لغير العرب، نشرت في عدد يوم الخميس الرابع عشر من مايو 2015 مقالاً عن ايليت شاكير وزيرة العدل الاسرائيلية الجديدة التي قال كاتب المقال جون ريد عنها من القدس أنها نجم اسرائيل الصاعد الذي يثير مخاوف الليبراليين، واعاد  ريد الى الاذهان ما قالته شاكير العراقية الأصل عن الاذاعة الاسرائيلية أو اذاعة الجيش الاسرائيلي زاعمة ان اذاعة القوة التي تقتل الناس وتقتحم البيوت وتهدم المزارع وتتعدى على الاطفال واقصد الجيش الاسرائيلي لان الجيوش هي التي تقتل، شاكير هذه تقول ان اذاعة الجيش الاسرائيلي اجندتها ذات توجه يساري اذ كان هناك فارق بين اليسار واليمين في اسرائيل، كأن اليسار لا يحتل أراضي عربية ولا يصادر بيوت ولا يهدم المزارع ولا يقبل ان تعامل سلطات الاحتلال اهل البلد الاصليين بالشكل العنصري الذي تعامل به الفلسطينيين في بلدهم، شاكير هذه عابت على اذاعة جيش الاحتلال بأنه يؤىد ترحيل المهاجرين الافارقة وإنها اي اذاعة الجيش تسعىللحد من سلطة الجمعيات الأهلية والمحكمة العليا، وايا كان الذي يقوله ريد عن هذه العراقية الأصل وانا عراقي الاصل وعمرها 39 سنة، وتصويرها على انها النجم الصاعد الجديد في السياسة الاسرائيلية، انما هو نوع من التسويق لها، فقد صارت المغالاة في كره العرب والدعوة الى قتلهم وتشريدهم وسيلة نجاح وسطوع نجم، شاكير هذه دعت قبل تسعة اشهر الى ابادة الفلسطينيين وحرضت على ذبح امهاتهم لانهن ينجبن مقاتلين ووصفتهم بثعابين وارهابيين، بعض اليهود العرب لا زالوا طيبين لا زالوا مثلنا عندهم مشاعر وعواطف ويخافون الله ويحنون على اوطانهم، لكن اغلب هؤلاء ممن يعيشون خارج اسرائيل قبل فترة تناقلت الواتسابات فيديوهات لفرقة اسرائيلية عراقية الاصل يغني مطربها اغاني ناظم الغزالي واخرى من تراث الجالغي البغدادي، ورقص الحضور وغنوا وصفقوا وكانوا عراقيين الى حد العظم، لكن ربما بالغناء فقط كما العراق عضو في مكتب التربية العربي ومشارك في كأس الخليج فقط، لكن غير ذلك لا علاقة له بالخليج، يقال ان هذا الأمر أحد اسباب جنون صدام يومها ضد الكويت، لكني لا ادري لاني عشت في الكويت ولا اعرف شيئاً غير ذلك، لكن حصل مرة وانا رئيس تحرير جريدة «الشاهد السياسي» احدى اوائل اصدارات «BBC» قد زرت روما في عام 2001 لاجراء لقاء مع جوليو اندريوتي رئيس وزراء ايطاليا لثماني دورات، وزعيم الحزب الذي انسلخ منه سيلفيو برلسكوني الذي كان يومها رئيساً للوزراء في ايطاليا، بعد اللقاء الصحافي في مكتب اندريوتي، تفاجأت ان برلسكوني زاره في المكتب لكن المهم ان الذي تولى الترجمة بيني وبين اندريوتي فانا لا اعرف الايطالية وهو لا يعرف العربية اندريوتي هذا من شيوخ ايطاليا ومن قادة الظل في العالم، ولم يكن مصادفة رئيساً للوزراء ثماني مرات، المهم ان من تولى الترجمة شخص عربي ليبي بعدين عرفت انه يهودي وانه رئيس الجالية اليهودية الليبية في ايطاليا، عزمني على العشاء في روما واخذني الى مطعم كبير فاخر عرفت بعد قليل من الاغاني العراقية انه ليهود عراقيين كانت الاغاني تصدح بصوت عال فضلاً عن الوجبات العراقية المميزة، كان المطعم يضج على كبره بالرواد، وقف احدهم مسلماً علي قال انه يعرفني من التلفزيون ووقف اخر وثالث وجاء من تصور معي وعرضت علي اكثر من عائلة ان اشاركها الاكل، وبعد عودتي الى لندن صار هناك من العوائل العراقية اليهودية المقيمة في العاصمة البريطانية من يأكل في مطعم المسكوف من سمك مشوي وكباب مثل كل العرب الاخرين، لكن من يعيش في اسرائيل تفرض عليه المصالح والسياسات والظروف والحساسيات ان يكون غير ذلك.. ومنهم شاكير هذه..


 

كنت قد أشرت في مقالة أخرى إلى موضوع وزيرة العدل الاسرائيلية ذات الأصول العراقية ايلييت شاكين زعيمة أو احدى عضوات حزب البيت اليهودي، وقلت إنها لا تختلف عن أي يهودي يعيش في الداخل على حساب أهل الأرض والوطن الاصليين، واقصد الفلسطينيين بالطبع، وكنت مرة وأنا رئيس لتحرير «الشاهد السياسي» في لندن وهي مجلة بريطانية انشأتها «BBC» الى ان اشترتها شركة عربية مؤخراً وصارت شقيقة لـ«الجزيرة» لكن شقيقة لا تعترف بها، المهم في عام 1999 اعتقد كان هناك زعيم اسرائيلي يزور لندن هو بنيامين بن اليعزر كان زعيماً لحزب العمل ثم صار وزيراً  للدفاع بعد ذلك، كانت هناك مفاوضات صعبة تجري على قدم وساق وخلف ابواب محكمة في ملحق بفندق تشرشل وسط لندن بين ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني الراحل وبين الحكومة الاسرائيلية، وقتها كان ايهود باراك زعيماً لحزب العمل ورئيساً للحكومة الاسرائيلية، كانت الداهية مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية ولدت في براغ عام 1937، واسمها الاصلي ماري آنا كوريو لوفا وهي أول امرأة اميركية تتسلم منصب وزير الخارجية، كانت هي التي تدير المفاوضات بتكليف من الرئيس بيل كلينتون الذي كان عازما بصدق على انجاح التسوية في الشرق الاوسط، وكاد ان يكلل مسعاه بالنجاح في كامب ديفيد في عام 2000، لولا تراجع عرفات كما قال لي بعد ذلك محمد دحلان الذي كان معه في الوفد، وكان دحلان يومها نجماً ساطعاً، مرشحاً لخلافة عرفات وقد رفض عرفات نفسه عندما سأله عن صحة مزاعم دحلان من انه دخل عليه في غرفته في منتجع كامب ديفيد عند الثالثة فجراً وكان كلينتون وباراك ينتظرانه للتوقيع على الاتفاق الذي يفترض أن ينهي الصراع ويسمح باقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وان تتحمل اميركا تكاليف تعويض من يقبل من اللاجئين الفلسطينيين بميزانية قيل وقتها انها بحدود 60 مليار دولار، سألت عرفات هل حقا انك رفضت التوقيع وطلبت طائرتك بدلاً من الخروج الى كلينتون وباراك وانك عدت بالوفد رافضاً التوقيع على الحل، قال عرفات وقتها: عندما دخل علي دحلان كنت قد انتهيت من الصلاة، واستخرت الله فوجدت ان الرد غير مقبول وكان لزاما علي تحمل المسؤولية فنهرت دحلان وأمرته ان يجهز الطائرة وان يجمع اعضاء الوفد، قال إنه كان غير مقتنع بالحل المطروح وانه قاوم ضغوطاً اميركية وانه جاهر كلينتون مرة بأسباب انحيازه الى جانب باراك ضد الحقوق الفلسطينية، إلا أن الرئيس الاميركي تبعاً لما قاله عرفات كان يتهم الرئيس الفلسطيني برفض كل شيء وانه اضاع فترة المفاوضات «اسبوعان» من دون مفردةترددت اكثر من «NO» اي لا، وفي مرة من المرات حاولت أن أحصل على افادة اوضح عما حصل بين صائب عريقات الذي كان يفاوض بالنيابة عن عرفات شلومو بن عامي ممثل باراك، اعود الى فندق تشرشل اللندني الشهير، كنت احاول أن احصل على أي تصريح من عرفات وقتها ولا اذكر بالضبط ان كان شهر سبتمبر ام اكتوبر 99 لكني اذكر ان الصحافيين هرعوا الى اولبرايت لحظة ظهورها فيما كان الجنرال كولين باول رئيس اركان الجيش في عهد جورج بوش الاب ولعب دوراً في تحرير الكويت عام 1990، كان باول المولود في نيويورك من عائلة مهاجرة من جامايكا والذي تولى حقيبة الخارجية بعد اولبرايت جالساً على جنب في الفندق مع مسؤولين من السفارة الاميركية وفيما انا جالس معاه جاء شخص بهت لرؤيته وتكلم معي باللغة العربية وبلهجة عراقية قائلاً: انا اعرفك، اشوفك في قناة رفعت الاسد، يعجبني، طرحك بس انت كثير فلسطيني اكثر من الفلسطينيين، ثم قال قبل ان يدير ظهره، انا فؤاد من اهل البصرة، كان ذلك بنيامين ين اليعزر السمين الذي كان يضحك على عرفات وسواه وضحك علي ايضاً، ما كنت اصدق شيئاً لما قال لولا لهجته العراقية.

تواصلت الحرب الباردة سبعا واربعين عاما وكلفت العالم يومها عشرات التريليونات من الدولارات وعجلت في اسقاط الاتحاد السوفييتي وصعود الصين بعد أن تحالفت الى حد ما مع واشنطن رغم عدائها الواضح للفكر الغربي الرأسمالي.. الحرب الباردة، انهكت الولايات المتحدة ايضا واستهلكت الكثير من اموالها واقتصادها وقللت من الفترة الافتراضية لهيمنتها على العالم لأطول فترة ممكنة، فخلال الحرب الباردة التي استنزفت الكثير من القدرات والموارد دمرت الكثير من فرص التوافق والتقارب والحلول للازمات وتسببت على العكس من ذلك في التسابق على الانقلابات والاطاحة بالانظمة والاستحواذ على الدول التي لا حول لها ولا قوة خلال هذه الفترة عصفت بالعالم ازمة حصار برلين «1948 -1949» والحرب الكورية «1950 - 1953» وازمة برلين بين المعسكرين «1961» والغزو السوفييتي لافغانستان وقبلها ازمة الصواريخ الكوبية عام «1962». ولم تحدث اي من هذه الحروب والمواجهات صدفة ولا بدون قصد ولا بدون تخطيط فقد تورطت موسكو كما تورطت واشنطن وكل واحدة ورطت معها دولا اخرى بما في ذلك اجتياح الدبابات الروسية للعاصمة التشيكية والحرب العراقية الايرانية وحتى غزو الكويت لم يكن قد حدث بالصدفة وانما جرى توظيف اوهام وخيال وطموحات صدام في زعامة الامة والاستحواذ على الكويت ونفطها وموقعها الاستراتيجي واستثمار علاقاتها الدولية ومكانتها في اطار المجتمع الدولي، وعجلت حرب النجوم والتسابق التسليحي وغزو افغانستان في منتصف الثمانينات في اغراق الاتحاد السوفييتي في العجز الاقتصادي فانهار في عام 1991 وتفككت المنظومة التي جعلت من الاتحاد السوفييتي في وقت ما دبا قطبيا ادخل الرعب في قلب البيت الابيض وسبب صداعا دائما في رأس ادارات المخابرات المركزية الاميركية المتعاقبة وكاد في مرات عدة يدفع بالعالم الى مواجهات نووية في حروب كادت تسببها الغواصات والمدمرات وحاملات الطائرات والطائرات المقاتلة التي اخترقت الاجواء واقتربت من المواقع الحساسة، كما كادت حروب الجواسيس والاختطاف والقتل والانقلابات في اميركا الجنوبية والشرق الاوسط وبعض الدول الافريقية وفي جنوب شرق اسيا تجر العالم الى مواجهات لا تختلف مع ما فعله ادولف هتلر لكن الفارق هذه المرة كان تحالفا غير معلن في غاية الخطورة بين بكين وواشنطن هو الذي جعل من الصين دولة صناعية تنتظر سقوط الولايات المتحدة لخلافتها في حكم العالم.

ان تنكفئ الصحافة الكويتية القومية التي كان لها صدى في المغرب والجزائر وسلطنة عمان ولندن من حقوق بيعها وتوزيعها هناك وان تحول بفعل او بدافع من اضرار الغزو الغادر الى صحافة محلية قطرية، فان الخاسر هو القارئ والخاسر الوسط الاعلامي العربي الذي فقد صحافة جريئة ذات وزن وقيمة في الكلمة وفي نزاهة وحرية الخبر الذي تتعاطاه، كانت الصفحات الأولى متنوعة وان كانت صحيفة مثل «الشرق الأوسط» الصادرة من لندن وكنت مراسلها لثماني سنوات تقريبا، تركز على الخبر الكويتي، كان رئيس تحرير الشرق الأوسط في عصرها الذهبي الزميل عثمان العمير ثم تلاه الزميل عبدالرحمن الراشد لعدة سنوات قبل ان تنتقل مدرسة الشرق الأوسط الى ادارة قناة العربية، كان العمير يتابع بشغف مسألتين الأولى تطورات الحرب العراقية - الايرانية والعلاقة بين الحكومة الكويتية والمعارضة، كانت الحياة البرلمانية في الكويت معطلة في بداية الثمانينات فشهدت الكويت وقتها مسألة تنقيح الدستور واللجنة الخمسينية التي قضت بعد ذلك في ختام أعمالها بعدم جدوى التنقيح فعادة الحياة البرلمانية مرة اخرى في عام 1981 «المجلس الخامس» وكان صاخبا متفاعلاً مع تطورات أوضاع المنطقة ومع تزايد عائدات النفط ومع حجم انفتاح الدولة على النشاط السياسي وعلى حالة النضج السياسي للنظام خصوصاً في عقلية وخبرة الرجل القوي آنذاك وحتى الآن، الذي قال لي اخي الاكبر الرجل الرائع جاسم الخالد المرزوق وكان وزير التربية ثم للتجارة الرجل القوي الذي ترك بصمات في كل تاريخ الكويت وأصر على حماية الدستور والحفاظ على حرية الصحافة وعلى مواجهة تبعات الديمقراطية وعدم الانتقاص من شأن الحريات العامة، انه أصر على عدم اطالة فترة حل مجلس الامة وعلى وجوب عودة الحياة البرلمانية فكان المجلس الخامس الذي ترأسه يومها محمد العدساني وحمل معارضة قوية هي الأقوى والاكثر اندفاعاً في تاريخ الكويت، فكانت الحوارات البرلمانية الصاخبة والانتقادات العالية الحدة للحكومة عناوين ليس للصحف الكويتية فقط وانما للصحف المهتمة بهذه الظاهرة وبشجاعة الحكم الذي تحمل كل ذلك الى ان اضطر لاسباب كثيرة يومها الى حل المجلس السادس في عام 1986 ثم ظهرت مسألة دواوين الاثنين وهي كلها ولولا قبول الدولة بها وادراكها بأن بقاء هامش من الحرية رغم ظروف المنطقة يحمي الكويت ويبقيها الافضل على كل المستويات رغم عواصف الحرب ورغم متاهات التطرف من قبل البعض وقتها شهدت الصحافة الكويتية دخول الرقيب الذي لم يمنع خبرا يستحق النشر ولم يوقف جريدة من دون سبب، وقتها ظلت الصحافة الكويتية صحافة وطنية الى حد العظم وقومية مشرفة في تعاملها مع الشأن العربي وانتصارها لعروبتها ودعمها للحقوق الفلسطينية، وكنت قد تأثرت بشكل مبكر بالشعار الذي اختارته وزارة التربية الكويتية ايام الحبيب جاسم الخالد المرزوق ويعقوب الغنيم بأن الكويت بلاد العرب، وكان لوزارة التربية ومناهجها ونشاطها المدروس وحفلها السنوي الوطني وابداعها الموسيقي من خلال شادي الخليج والخراز والموسيقيار سعيد البنا وآخرين وقع رائع وطيب ظل يسري في عروق مجتمع يظل فاضلا مقارنة بسواه وبنظام يظل الافضل على كل المستويات لذلك كان ومازال هناك اكثر من سبب لان تكون الصحافة الكويتية مختلفة طالما الناس مختلفين عن سواهم.
 

الى ما قبل نكسة الغزو الغادر في الثاني من أغسطس 1990، كانت الصحافة الكويتية صحافة قومية بكل معنى الكلمة، استفادت من نزوح صحافيين وكتاب وأصحاب رأي وفكر من بيروت بسبب الحرب الأهلية (1975-1990) ومن مصر بسبب المقاطعة العربية التي اعقبت زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس (19 نوفمبر 1977)، دفعت الحرب الأهلية في لبنان الكثير من رجال الأعمال والمفكرين والسياسيين والصحافيين الى الهجرة ومنهم من استقطبتهم الكويت سواء بالعمل أو بالكتابة اينما كانوا سواء في لبنان أو خارجه، فيما ترك كل من اختلف مع السادات سياسياً حول مبرر وجدوى زيارته الى القدس واتفاقية كامب ديفيد التي وقعها مع اسرائيل أو من تضرر منه جراء المقاطعة العربية الشاملة لمصر، تركوا بلادهم واتجهوا الى عدة أماكن  للاقامة أو العمل أو للتعبير عن رفضهم وعدم قبولهم للهدنة والتطبيع مع الكيان العبري، هذا بالاضافة الى ان اسواق الكويت ووزاراتها كانت وفي ظل خطة توسع عمراني وسكاني وخدماتي على كل المستويات استفادت من تزايد عائدات النفط والتجارة البينية في المنطقة، قد بدأت باغراء اعداد كبيرة من العرب بالقدوم الى الكويت للعمل او الاقامة أو لتعليم الأبناء او للاستفادة من جودة الخدمات الصحية، كانت الكويت ولا تزال افضل دولة عربية في نظامها السياسي من خلال الدستور ومن خلال الحكم وعلاقة الحاكم بالناس ومن خلال التجربة البرلمانية ومن خلال حرية الصحافة، لذلك كانت الصحف الخمس الناطقة باللغة العربية «هناك صحيفتان ناطقتان باللغة الإنكليزية» وهي كما اسلفنا في مقال سابق «الرأي العام، القبس، السياسة، الوطن، الأنباء» تشكل في واحدة منها مدرسة صحافية تختلف في الاسلوب المهني وفي الموقف السياسي، تجربة قومية لا تحدث الا في الكويت، وزادت الحرب العراقية - الايرانية في عوامل تأصيل الجانب القومي بعد ان اغرى تمسك الاعلام الايراني بالنزعة الطائفية الفارسية  الآخرين الى اتخاذ موقف غير متعاطف معها بقدر ما كان داعم وفريد ومتعاطف مع اعلام الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، المؤسف ان ايران لم تختار موقف يظهرها على انها دولة معتدى عليها وانها غير ما يصور اعلام بغداد في تلك الفترة، لذلك اخذت اغلب الصحف الكويتية جانباً قومياً لا يمكن القول انه منحاز الى العراق بقدر ما كان منحازاً الى جانب العروبة، ومع ذلك ظلت «الوطن» حيادية منحازة  فلسطينياً الى حد ما، و«القبس»  لبنانية الى حد ما و«الرأي العام» سورية الى حد ما و«الأنباء» مع الموقف الرسمي العراقي  و«السياسة» سعودية - خليجية الى حد ما، استفادت الصحف الكويتية بشكل كبير من انفتاح الكويت على العالم من الحكم المتفهم لاهمية الصحافة واهمية الحريات الصحافية حتى وان كان في الكويت قانون للمطبوعات والنشر والمادة 37 منه تقرر ان حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والاوضاع التي يقررها القانون، الا ان كلا من اطراف العلاقة وهي الدولة «الحكم» وأصحاب الصحف «وهي صحافة أهلية تماماً» والقرار وجد ان لهم مصلحة مشتركة في ان تكون الصحافة الكويتية مختلفة وشاملة وحرة والرأي فيها عاقل ومعتدل والانفتاح فيها يأخذ بالاعتبار الرأي والرأي الآخر، وهي مسألة تغيرت بعد الغزو وبسببه بعدما كان كل عربي في المشرق والمغرب يجد متعة في قراءة الصحافة الكويتية.

بالاضافة إلى وزارة الخارجية التي كانت ولا تزال أهم وزارة في الكويت، ولعل اهم ما فيها سابقاً ولاحقاً أنها بناء مميز في العمل الدبلوماسي الذي أسس له رجل خلق للحكم وخلق للدبلوماسية، رجل قوي بشخصيته يصعب مقارنتها بسواها، كاريزما لافتة، كنا نحلق حوله ونسترق الزمن لرؤيته ونتسابق على التواجد وقت اللقاء به، لم يكن مثل بقية الوزراء، كان الكثيرون منهم يتغيرون دون ترك أثر في العمل هنا وهناك الا هو، ومع أننا نعرف مسبقاً انه من الصعب اللقاء به ما لم يترك مكتبه في الطريق الى سيارته كل يوم مع نهاية الدوام، إلا أننا كنا نبكر في التواجد عند سكرتيره الخاص، ومن السكرتير، يرحمه الله، كنا نعرف إن كان مشغولا أم لا، موجوداً أم لا، لانه كان كثير السفر، كثير العمل، لم تكن لقاءاتنا به فقط في نهاية دوام كل يوم يكون غير مسافر به، وإنما كان يطلبنا احياناً يسألنا بدلاً من أن نسأله، يستمع الينا بدلاً من ان نستمع اليه، يتحملنا ويتحمل سذاجة اسئلتنا، كان علماً في السياسة وكنا على قدر حالنا، ومع ذلك عندما يفتح الباب للحديث معنا والاجابة على اسئلتنا كان يجيب على كل سؤال حسب الاشخاص لا زيادة ولا نقصان، في السبعينات والثمانينات لم يكن هناك وزير خارجية في كل الخليج وربما في كل الدول العربية من هو على علاقة يومية رغم مشاغله خصوصاً فيما بعد عندما اندلعت الحرب العراقية - الايرانية وحاول وقتها عمل المستحيل لايقافها واطفاء نيرانها خوفاً على شعب البلدين وخوفاً من امتداد نيران الفتنة الى بقية دول الجوار، لم يكن احد على حد علمي وقد تعاملت فيما بعد مع عدد من القادة العرب من خلال عملي خارج الصحافة الكويتية، على علاقة مودة واحترام وطيب خاطر وقدرة على التحمل، كما كان عليه هو في علاقته مع الصحافيين، كان يعرفنا بالاسم ويسألنا بالاسم ويعرف أوضاعنا لذلك كان يتحمل الكثير منا وأنا اكرر كلمة تحمل لاننا مع بعضنا البعض لم يمكن أن نتحمل بعضنا، كنا اقوياء به وكنا نعرف الكثير مما يجري في المنطقة والعالم منه، وكنا نتعلم في امور كثيرة من خلال ما نسمع منه، استقبل مئات الوزراء وشارك في مئات الاجتماعات والمؤتمرات، وكان لا يحجب عنا ما يصلح للنشر فيما كان يطلب احياناً عدم نشر بعض الأمور مكتفياً باطلاعنا حتى لا نفاجأ، وحتى لا ننشر ما يضر ولا ينفع، ومع هذا اخطأنا في مرات عدة في الفهم او في صياغة المعلومة، لم يكن الحال كما هو عليه اليوم، اخبار مكتوبة توزع بنفس الصيغة والاسلوب والمعلومة على كل الصحف، اخبار وتصريحات جاهزة، وعندما اندلعت الحرب العراقية - الايرانية وعمل ما عمل من اجل اقناع اصحاب القرار بايجاد آلية للتفاهم على وقفها قبل أن تستفحل كان يعرف كم هي الحرب مكلفة بشرياً واقتصادياً وامنياً، لكن الجهود النبيلة الحكيمة التي بذلها لم يستجب لها، فاحرقت الحرب مئات المليارات من الدولارات كان يمكن ان تكون وسيلة لجعل المنطقة مصدر خير ومنبر علم وموطن اقتصاد قوي قادر على تشغيل واستثمار عشرات الملايين من ابناء المنطقة وبقية العرب وغيرهم بدلا من ان تتحول اموال النفط الى وسيلة خراب وهلاك وقتل يتمت اكثر من مليوني انسان.

• تنويه

ورد في مقال أمس اسم علم من أعلام الصحافة الرياضية على أنه عبدالمحسن الحسين، والصحيح عبدالمحسن الحسيني.

الصفحة 90 من 91