أحمد المنسي

أحمد المنسي

الأربعاء, 17 سبتمبر 2008

نفحات رمضان

أحمد المنسي
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

حاولت أن أقف على بعض معاني‮ ‬رمضان،‮ ‬لعلي‮ ‬أدرك شيئا من عظمته،‮ ‬فكلما رصدت معنى برز معنى آخر،‮ ‬وكلما أحسست بنفحة من نفحاته‮ ‬غمرتني‮ ‬نفحات،لا أعرف من أين ابدأ وإلى أين أنتهي،‮ ‬غير أنها ساعة أسبح فيها بروحي‮ ‬وعقلي‮ ‬في‮ ‬بحر من النور والخير والجمال،‮ ‬في‮ ‬بحر من عطاء الله و من هبة الله،‮ ‬ومن كرم الله،‮ ‬إنه رمضان‮. ‬
مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها‮ ‬،‮ ‬كان ذلك هو التنبيه الإنساني‮ ‬العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر،‮ ‬وكأني‮ ‬بصوت السماء‮ ‬ينادي‮ ‬في‮ ‬الكون أن أبواب الجنة فتحت،‮ ‬وأبواب النار أغلقت،‮ ‬والشياطين صفدت وغلت‮.‬
وهذا المشهد جدير بالتأمل،‮ ‬فإذا كان الفتح فتح الله،‮ ‬كان أجمل ما‮ ‬يكون الفتح،‮ ‬وإذا كان الإغلاق إغلاق الله،‮ ‬كان أقوى ما‮ ‬يكون الإغلاق،‮ ‬وإذا صفد الله الشياطين،‮ ‬ان التصفيد أشد ما‮ ‬يكون وأحكم،‮ ‬إن هذا لرمضان وحده‮.‬
عرس في‮ ‬الأرض وعرس في‮ ‬السماء وعرس في‮ ‬قلوب التواقين إلى رحمة الله ورضوانه ومغفرته،‮ ‬عام مضى من الحرب والسجال بين الإنسان وشيطانه ونفسه ونزواته وشهواته،‮ ‬عام من التعب والضيق والمشقة،‮ ‬حتى إذا جاء رمضان،‮ ‬قال الله للعبد استرح فقد فتحنا لك أبواب الجنة،‮ ‬وأغلقنا لك أبواب النار،‮ ‬وصفدنا لك الشياطين،‮ ‬أما نفسك التي‮ ‬منها الشهوات،‮ ‬فقد أفرغنا بطنك بالصوم لتهدأ وتطمئن وترتقي،‮ ‬فخذ من ذلك كله فرصتك ونصيب روحك‮.‬
إن نكبة الفكر ونكبة النفس ونكبة الإنسانية كلها تأتي‮ ‬من البطن،‮ ‬ذلك لأن الناس لا‮ ‬يختلفون في‮ ‬الإنسانية بعقولهم ولا بأنسابهم ولا بمراتبهم ولا بما ملكوا،‮ ‬وإنما‮ ‬يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطن على العقل والعاطفة‮ .‬
وجاء الصوم ليجعل الناس في‮ ‬هذا سواء،‮ ‬ليس لهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة،‮ ‬ويضع الإنسانية كلها في‮ ‬حالة نفسية واحدة في‮ ‬مشارق الأرض ومغاربها،‮ ‬ويطلق فيها صوت الرحمة لا البطن،‮ ‬فيعلم الرحمة ويدعو إليها‮ ‬،‮ ‬ويضع في‮ ‬الإنسانية فكرة معينة،‮ ‬هي‮ ‬كل ما في‮ ‬الاشتراكية من حق،‮ ‬وفيها مساواة الغني‮ ‬بالفقير،‮ ‬لتكون الحياة هادئة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في‮ ‬هذا الاجتماع الإنساني‮.‬
من قواعد النفس البشرية أن الرحمة تنشأ عن الألم،‮ ‬وهذا بعض السر في‮ ‬عظمة الصوم،‮ ‬وذلك بمنع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة من الزمن،‮ ‬وهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في‮ ‬النفس،‮ ‬فمتى تحققت رحمة الجائع الغني‮ ‬للجائع الفقير أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ‮.‬
وهذا ما لا تستطيع أي‮ ‬فكرة أو قوة أرضية أن تجمع الناس له،‮ ‬لولا طاعة جمعت الناس على حال واحد في‮ ‬زمن واحد لنسك واحد،‮ ‬فرضت ثلاثين‮ ‬يوما كل سنة لتربية إرادة الشعب تربية تعود جزء من عمل الإنسان لا خيالا‮ ‬يمر برأسه‮.‬
يضيف الصوم بعدا مختلفا في‮ ‬العبادات،‮ ‬يفرض مراقبة الله لإتمامه،‮ ‬فجميع العبادات تؤدى أمام الناس أو من خلالهم،‮ ‬إلا الصوم،‮ ‬فإنك لا تستطيع أن تقول لأحد من الناس انظر إلى صومي‮ ‬أو اسمعه فأنا صائم،‮ ‬وإن ذلك‮ ‬يربى في‮ ‬الناس ويعودهم على مراقبة الله في‮ ‬يسر وسهولة،‮ ‬إذ أنه حالة سلبية‮ ‬يمتنع فيها العبد عن كل ما‮ ‬يتعلق بالبطن وأشباه البطن،‮ ‬وهو السبيل الوحيد الذي‮ ‬يعطي‮ ‬بعض أسباب الصدق والإخلاص بشكل عملي‮ ‬،‮ ‬ليست الدعوة التي‮ ‬لا ترد‮ ‬للعبد عند فطره،‮ ‬بعضا من جزائه على مراقبة الله وإخلاصه وصبره؟ وشفاعة الصوم له‮ ‬يوم القيامة،‮ ‬وقراءته للقرآن،‮ ‬وقيام الليل،‮ ‬وليلة القدر التي‮ ‬تتفرد بعطاء خاص من الله،‮ ‬وباب في‮ ‬الجنة‮ ‬يدخل منه الصائمون‮ ‬يقال له‮ »‬الريان«؟ ثم‮ ‬يقول الله عز وجل في‮ ‬الصوم‮ »‬فإنه لي‮ ‬وأنا أجزي‮ ‬به‮«‬،‮ ‬ويأتي‮ ‬التحذير النبوي‮ ‬الشديد من أن من‮ ‬يفطر‮ ‬يوما في‮ ‬رمضان بغير عذر شرعي،‮ ‬لا‮ ‬يكفره صوم الدهر كله،‮ ‬فتجد كل الناس على اختلاف درجات إيمانهم صائمين،‮ ‬لا‮ ‬يستطيع أحدهم‮ - ‬وإن خلا بنفسه‮ - ‬أن‮ ‬يأخذ شيئا من حظ البطن،‮ ‬وإن كانت شربة ماء‮. ‬
لكأن الله‮ ‬يريد أن‮ ‬يدخل العبد الجنة في‮ ‬رمضان‮ - ‬ولو جرا‮ - ‬فأي‮ ‬معنى أعظم من هذا؟‮ ‬
‮ ‬والله لو عم هذا الصوم الإسلامي‮ ‬أهل الأرض جميعا لآل معناه أن‮ ‬يكون إجماعا من الإنسانية كلها لتطهير العالم من رذائله وفساده،‮ ‬ومحق الأثرة والبخل فيه،‮ ‬فيهبط كل رجل وامرأة إلى اعماق نفسه‮ ‬يبحث في‮ ‬معنى الفقر ومعنى الحاجة،‮ ‬وليفهم في‮ ‬طبيعة جسمه معنى الصبر والثبات والإرادة،‮ ‬ليبلغ‮ ‬من ذلك وبه أرقى معاني‮ ‬الإخاء والحرية والمساواة‮.‬
الحرية الحق،‮ ‬التي‮ ‬يخلص فيها من رق الآفات النفسية والشهوات الحسية،‮ ‬تلك الحرية التي‮ ‬تكفل له بعد رمضان ارتقاء في‮ ‬النفس وعافية في‮ ‬البدن وروعة في‮ ‬الأخلاق،‮ ‬وذلك كله من أسباب فرح العبد بالعيد،‮ ‬وهو من أسرار عظمة رمضان‮.‬
ذلك لأن الذي‮ ‬صام لله طائعا‮ ‬،‮ ‬وتهيأ لرمضان بعزيمته،‮ ‬وأصر على الامتناع،‮ ‬وصبر على ذلك بأخلاق الصبر والثبات،‮ ‬كان‮ ‬يسيرا عليه أن‮ ‬يتعود الطاعة بقية أيام العام‮ .‬
من هنا تأتي‮ ‬فداحة الاستمرار على المعاصي‮ ‬بعد ثلاثين‮ ‬يوماً‮ ‬من هذا النظام النفسي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬الروحاني‮ ‬التطهيري‮ ‬العالي،‮ ‬فذلك الذي‮ ‬لم‮ ‬يأخذ من رمضان إلا كما‮ ‬يأخذ العبيد من الامتناع عن الطعام والشهوات لفترة من الزمن،‮ ‬وهو‮ ‬يترقب متى‮ ‬ينتهي‮ ‬رمضان ليعود إلى المعاصي،‮ ‬كأن الذي‮ ‬صفد في‮ ‬رمضان هو لا الشيطان‮.‬
إن رمضان منحة الله،‮ ‬وهبته،‮ ‬وفرصته للناس،‮ ‬به تكتمل عطاءات الله للعبد في‮ ‬الأخذ بيده إلى جنة عرضها السموات والأرض،‮ ‬دون أن‮ ‬يجهد في‮ ‬ذلك جهده العام كله،‮ ‬فمن لم‮ ‬يرق في‮ ‬رمضان فمتى؟‮! ‬ومن لم‮ ‬يغفر له في‮ ‬رمضان ويعد إلى الله فأنى له ذلك؟
لا‮ ‬يوجد زمن أنسب ولا أخصب من رمضان لنيل رحمة الله ورضوانه،‮ ‬هنا ندرك لماذا بلغنا النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم أن الذي‮ ‬يدرك رمضان ولم‮ ‬يغفر له،‮ ‬رغم أنفه ذ أي‮ ‬خاب وخسر ومرغ‮ ‬أنفه في‮ ‬التراب‮.‬
إن المهمة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬ينشغل بها كل مسلم في‮ ‬رمضان،‮ ‬هي‮ ‬عتق رقبته من النار،‮ ‬والفوز برضوان الله،‮ ‬وهذا جد الأمر كله،‮ ‬فمن انشغل بغير ذلك،‮ ‬لا‮ ‬يكون إلا‮ ‬غافلاً‮ ‬أو مجنوناً‮.‬
إن رمضان نظام حياة،‮ ‬يطبب به الله علل الجسد،‮ ‬ويعالج به آفات البشر النفسية والاجتماعية،‮ ‬ويمد به الروح بقوة تجعل لها الغلبة على المادة،‮ ‬انه زمن تغتسل فيه الدنيا وتتطيب،‮ ‬وتتهيأ لأيام العيد‮.‬
لكأني‮ ‬بالزمن‮ ‬ينادي‮ ‬في‮ ‬الناس قائلا‮: » ‬هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي،‮ ‬ومن طبيعتكم لا من طبيعتي،‮ ‬افهموا الحياة على وجه آخر‮ ‬غير وجهها الكالح،‮ ‬كأنها أجيعت من طعامها اليومي‮ ‬كما جعتم،‮ ‬وأفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغتم،‮ ‬وألزمت معاني‮ ‬التقوى كما ألزمتم،‮ ‬وما أجمل وأبدع أن تظهر الحياة في‮ ‬العالم كله‮ -‬ولو‮ ‬يوما واحدا‮ -‬متوضئة ساجدة،‮ ‬فكيف بها على ذلك شهرا من كل سنة ؟