جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 11 يونيو 2019

بحر الكويت... تلوث مدمر!

من الدروس الأولى التي تعلمتها في مقتبل العمر وأنا أضع قدمي على أول السلَّم في عالم الكتابة، هو كيفية تدوير الكلمة الواحدة إلى كلمات متعددة الألفاظ متحدة المعنى أو قريبة منها، لأن القدرة على التدوير تعطي للكاتب مهارة تدوير الجملة الواحدة وتقليب كلماتها بسلاسة، أو ما يعبر عنه بالاجترار الأدبي تمثلا بالجمل الذي يأكل الطعام ويخزنه ثم يجتره لوقت حاجته، فعندما نقول: جاء الرجل، فنجتر الكلمة أو العبارة فنقول: قدم المعلم أو أتى الطالب أو حلّ الضيف أو أناخ البعير، وأمثال ذلك، فالكلمة الواحدة اختلفت في اللفظ ولكنها اجتمعت في المعنى وهو الحلول في المكان والقدوم والإتيان والإناخة وهكذا، وكنا نكثر من اكتشاف الكلمات المترادفة واجترار الجمل المتشابهة.
ولأن النفس ولعت بعملية المترادفات والاجترارات كنا نضع الأوراق في جيوبنا ونقوي الذاكرة عليها وبها نحسِّن من أسلوب الكتابة وتزويقها بالعبارات الأدبية المجترة، وكان معجم اللغة قائدنا في هذه المنافسة الأدبية يهدينا الى الجملة الأدبية تلو الأخرى، والسعادة تغمرنا عندما نجتر للجملة الواحدة عشر جمل أو أكثر، وكنا ندرك أن الاستغراق في هذا النوع من الممارسة الكتابية اليومية يصقل القلم والذهن فضلا عن الذاكرة، وكنا نكثر من حل الكلمات المتقاطعة في الصحف والمجلات لأنها تخدم الذهن وتشعل في الإنسان روح المنافسة مع الذات لاستحضار الكلمات ومترادفاتها وصنوها، وهذه الملكة لازمتني حتى يومك هذا، ويستحضرها الذهن عند الشروع بكتابة مقالة وما شابه.
ولا يخفى على ذي بصيرة أنَّ اللغة العربية وغناها يساعد الكاتب بشكل كبير وفاعل على خلق المترادفات في الكلمات واجترار العبارات والجمل المتشابهة أو القريبة في المعنى والمختلفة في التشاكل والألفاظ، أو ما يعرف بالمشتركات اللفظية، وهذا يظهر جليا في قصائد الشعراء التي تنتهي قوافيها بكلمات مشتركة الألفاظ مختلفة المعاني، أو ما يعرف في أحد أوجهه بالجناس، على ان المشترك اللفظي في بعض الأحيان أو أكثرها أقوى من أدب الجناس نفسه، فمن الجناس الجَنّة بفتح أوله والجُنّة بضم أوله والجِنّة بكسر أوله، فالمعاني الثلاثة مختلفة بفعل الحركة وإن اتحد اللفظ، ولكن في المشترك اللفظي الأغلب أن يتحد اللفظ مع الحركة والتشكيل ويبقى للكلمة أكثر من معنى بل عشرات المعاني وقد تفوق لأكثر من مائة معنى بل المئات كما في كلمة «الجمل»، وهذا ما يعطي الأديب بعامة والشاعر بخاصة مرونة ما بعدها مرونة في تطويع القافية ونظم القصيدة على منوال واحد مختلف المعنى بين بيت وآخر، وقد يحتاج القارئ وحتى اللبيب منهم إلى استخدام معاجم اللغة للوقوف على معنى البيت بخاصة إذا خلا من دالة أو علامة تهديه الى المعنى.
وحتى لا نستغرق في شرح المعميات والمبهمات، فإن الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبِّين المقيم في العاصمة البريطانية لندن، سهّل علينا الدرب بكتابه الصادر حديثا 2018م عن بيت العلم للنابهين في بيروت تحت عنوان: «الخال وأضرابه في قوافي الشعراء على ضوء دائرة المعارف الحسينية للكرباسي» في 359 صفحة من القطع الوزيري.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث