جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 15 مايو 2019

العرف أحد مصادر التشريع

العرف مجموعة القوانين التي تعارف عليها ابناء القبيلة الواحدة ليحتكموا إليها في جميع خصوماتهم وليتحقق في تطبيقها العدل بينهم، واللافت ان ما تعارفت عليه هذه القبيلة من قوانين واعراف قد يتعارض بعضها مع ما تعارفت عليه قبيلة اخرى فلا يجوز لها ان تلزمها بما هو ليس مقراً عندها، ويطلقون على العرف اسماً آخر مرادفاً هو السواني مفرده السانية يقابلها بالفصحى سنة وسنن.
لذا فجميع المشكلات والنزاعات التي تنشب بين افراد القبيلة أو جماعاتها يردونها الى العرف, وما ان يحتكم الطرفان المتنازعان في القضية المختلف عليها فإن هذه القضية على الاغلب سوف تنتهي الى حل يرضي الطرفين، واذا لم يتحقق هذا الرضا وشعر احد الخصوم بالظلم أو الغبن كأن يكون الخصمان قد تقاضيا عند «عارفة» يسمى «مشهى» عندها يجوز للمتظلم أن يلتجئ الى عارفة اخر يسمى «منهى» وهو اعلى درجات القضاء بالعرف ويكون اكثر شهرة وتميزاً وتفرساً ومشهود له بالحكمة وسداد الرأي ويكون حكمه مبرماً - يقابل في القضاء العادي احكام محكمة «النقض» وتنتهي القضية عنده مهما كبرت وتكون النفقة بهذا العارفة مطلقة.
اما الشكل الذي يتم فيه عرض قضية من القضايا امام الرجل الذي يقضي بالعرف فيتم بحضور الخصوم في وقت معلوم، ويطلب العارفة من المدعي تقديم ادعائه، ويجوز له ان ينيب عنه من هو اقدر على عرض الحجة اذ غالبا ما يقدمها عليه شخص سريع البديهة متمكن من الخطابة، وهذا ما يجب ان يكون المحامي في مرافعاته امام المحاكم، أما العارفة فيسجل ما يسمعه من كلام في ذاكرته ثم يسمع من الخصم الاخر دفاعه، عندها يطلب من الخصوم تقديم ادلة الاثبات وادلة النفي كالشهود مثلا ولا تقبل شهادة الشاهد إلا بعد ان يزكى. اما اذا كان قد أتى في حياته فعلا شائنا فلا تقبل شهادته فيسمى «مقموع» وتكون المرحلة الاخيرة من المحاكمة، حيث يعمد العارفة في هذه المرحلة الى تلخيص حجة كل من المدعي والمدعى عليه، ويستكمل كل الادلة، بعدها ينطلق بالحكم وتنتهي القضية ويرضى كل طرف بما قضى به القاضي بالعرف. ومن الملاحظ ان العرف تحل فيه المشكلات والدعاوى بشكل اسرع بالمقارنة مع المحاكم العادية، وهو شائع في بلاد الشام والعراق ومصر، وكذلك الدول الاوروبية التي دعت إليه في مؤتمراتها كفرنسا وبريطانيا وذلك لكسب الوقت واختصار الزمن.
ولا يمكن مقارنة العرف بالقانون، فالعرف قانون محلي يقتصر على معالجة المشكلات البسيطة غير المعقدة والتي تنشأ في بيئات محلية وتختلف باختلاف البيئات فما هو متعارف عليه في هذه البيئة لا يكون متعارفاً عليه في بيئة اخرى، اما القانون فهو نتاج خيرات الشعوب والحضارات المتعاقبة وهو يتناول جميع مفاصل الحياة المعاصرة وعلاقات ومصالح الافراد والدول، فهناك القانون الدولي العام، وهناك القانون الاقتصادي والقانون التجاري والقانون البحري وهلم جرا.
وخير ما اختم به هذا البحث المقتضب، وله صلة به ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى في سورة الأنبياء: «وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأنا أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار جهنم يأتي بها يوم القيامة», صدق رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث