جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 19 فبراير 2019

وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل

أيجوز ان يعظ الناس من هو أحوج ما يكون الى الوعظ؟ كيف ينهى الناس عن أمور يأتيها ليلا بعيدا عن أعين الرقباء؟ كيف تأمر الناس بتقوى الله ولست بتقي؟ تكثر لهم من النصح ولا تنتصح! هؤلاء الناس هم المنافقون الذين حذرنا المولى، عز وجل، منهم، حيث يقول: «كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» «المنافقين 3»، وكانوا يقولون في الأمثال: «أعمش كحال»، صاحب هذا البيت الرجل الصالح «أبوعثمان الحيري» قال ابوعمرو بن مطر: حضرت مجلس ابي عثمان الحيري الزاهد، فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ترى ان تقول في سكوتك شيئاً؟ فانشأ يقول:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو عليل
فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج، واسم أبوعثمان الحيري: سعيد بن اسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ، قال صاحب وفيات الأعيان: ولد بالري ثم انتقل الى نيسابور، فسكنها الى ان توفي بها، وذكر غيره ان ولادته عام 230هـ وهو احد علماء اهل السنة والجماعة ومن محدثيهم، كما انه من اعلام التصوف السني، قال عنه الحاكم النيسابوري: «كان مجاب الدعوة» ومن العجائب التي تروى في سيرة هذا الرجل الصالح ما ذكرته امرأته مريم التي قالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، وقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم، لما ترعرعت وانا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد احببتك حبا ذهب بنومي وقراري، وانا اسألك بمقلب القلوب ان تتزوج بي، فقلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا، فراسلته، فأجاب فتزوجت بها، فلما دخلت بها وجدتها عوراء، عرجاء، سيئة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته علي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها برا واكراما، الى ان صارت لا تدعني اخرج من عندها، فتركت حضور المجلس ايثارا لرضاها، وحفظا لقلبها، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة، وكنت معها في بعض أوقاتي وكأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من ذلك، الى ان ماتت، وكان يقول: صلاح القلب في اربع خصال: التواضع لله، والفقر الى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله، توفي أبوعثمان في نيسابور يوم العاشر من ربيع الثاني سنة ثمان وتسعين ومئتين للهجرة.
وبالعودة لقوله:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى
طبيب يداوي الناس وهو عليل
فهذا البيت سبقه على معناه المتوكل الليثي «ت85هـ» وقبل أبي الأسود الدؤلي «ت69هـ» حيث يقول:
يا أيها الرجل المعلم نفسه
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى
كيما يصح به وأنت سقيم
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا
تهدي وأنت من الرشاد عقيم!!
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها
فاذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك ينفع ما تقول ويشتفى
بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن فعل وتأتي مثله
عار عليك اذا فعلت عظيم
هناك أيها السادة من يجعل الدين ستاراً لبلوغ أغراضه، هذه الفئة من الناس منافقون، وضررهم شديد على المجتمع.
روي ان حمزة بن بيض الحنفي اراد ان يسافر الى الشام فأودع نصف ماله عند إمام القرية، وأودع النصف الآخر عند بائع نبيذ، وخرج الى وجهته، ثم عاد بعد ذلك وذهب الى الإمام وطلب أمانته، فجحد هذا المرائي ان يكون اودع عنده مالا، وطرده، وكان قد بنى بالمال بيتا، وتزوج، فذهب ابن بيض الى بائع النبيذ، فأعطاه ماله لم ينقص درهما واحدا، فقال:
ألا لا يغرك ذو سجدة
يظل بها دائبا يخدع
كأن بجبهته جلبة
يسبح طوراً ويسترجع
وما للتقى لزمت وجهه
ولكن ليغتر مستودع
ثلاثون ألفا حواها السجود
فليست الى أهلها ترجع
بنى الدار من غير ما ماله
وأصبح في بيته اربع
والمؤمن كيس فطن يرى بنور الله تعالى، لا تنطلي عليه حيل هؤلاء المرائين، هؤلاء الناس وصفهم الله تعالى لنا وصفا دقيقا، حيث يقول عز من قائل: «إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا» «النساء 142».
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث