جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 10 يناير 2019

قتيل العيون الفاترة «1-2»

مسكين هذا الشاعر أيها الأحبة، فبُعد الحبيب عن حبيبه من أكبر المصائب عند المحبين، خصوصاً إذا كان هذا الحبيب من الجمال بمكان. والجمال نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده، ليس ذلك فحسب وإنما يهبها لجميع مخلوقاته فتجد عصفوراً جميلاً يغرد فوق أغصان الشجر، وتجد شجرة وارفة الظلال تبتهج لرؤيتها. وأفضل ما خلق الله، جلّت قدرته، الإنسان. ولو نظر الإنسان إلى نفسه نظرة ثاقبة لوجد نعم الله عليه لا تعد ولا تحصى، وأنت أيها الإنسان إذا أسدى إليك أخوك الإنسان معروفاً ذكرته بالخير وشكرته على ما فعل، فأين أنت من الله الذي خلقك ولم تكُ شيئاً مذكوراً. يقول البارئ عز وجل: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفوراً إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً» «سورة الإنسان، من الآية الأولى إلى الآية الرابعة». والحديث يجر بعضه بعضاً، يقول صاحب هذا البيت - رحمة الله عليه - إن صاحبه قتله بالبعد والفراق، ويصف صاحبه بجمال العيون التي هي نعمة من نعم الله وأن شوقه وحنينه لصاحبه قاتله على ما به من الآلام والأوجاع والأمراض، فترى من هو هذا الشاعر الذي جعلني أسترسل في بيته هذا الاسترسال؟ انه قاضي القضاة أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي بكر بن خُلكان بن بارك بن عبدالله بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي، وهذا النسب أشهر من أن يذكر فأجداده هم البرامكة وزراء الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد، وجده الأكبر يحيى بن خالد هو الذي عُني بتربية هارون الرشيد عندما كان طفلا، وابنه جعفر بن يحيى أخو الرشيد في الرضاعة وكان من أهم الأسباب الداعية لنكبتهم خطرهم على دولة بني العباس، وكانوا رحمهم الله تعالى من الكرم بمكانة عالية للغاية ولم يضاههم في ذلك سوى القائد الإسلامي الشهير المهلب بن أبي صفرة الأزدي وأولاده في دولة بني أمية، أما صاحبنا ابن خلكان، فقد ذكر ابن المستوفي في كتابه «نباهة البلد الخامل ومن ورد عليه من الأماثل»، أن صاحبنا ولد في مدينة إربل وأردف قائلا: «إن إربل ظلت بلداً خاملاً لا تأخذ بأسباب النباهة إلا قبيل منتصف القرن السادس الهجري»، وكان ابتداء نباهتها حين أصبحت ملكاً لرجل تركماني شديد القصر حتى عرف لشدة قصره بلقب «كجك»، ذلك هو: «زين الدين علي بن بكتكين أحد رجال المجاهد عماد الدين زنكي».
وابن خُلكان هو صاحب الكتاب الشهير «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» وهو كتاب ذو فائدة قصوى لكل من يعشق التاريخ والأدب والأشعار. وعن نفسي فقد قرأته أكثر من مئة مرة لروعة هذا الكتاب.
يتبع

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث