جريدة الشاهد اليومية

د.علي الزعبي

د.علي الزعبي

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

في فقه التطرف والعنف

الخميس, 12 أكتوير 2017

التعصب والتطرف هما الوجه الآخر للعنف، بل إنهما وجهان لعملة واحدة، والوجه الفكري الثقافي هنا هو التعصب، في حين الوجه الاجتماعي والسلوكي هو العنف، فحينما تقمع الآراء وتمارس القوة التعسفية في إقصاء الأفكار والتعبيرات، تنمو حالات العنف والتعصب في المجتمع.  وهنا يدخل الجميع في دوامة العنف والتعصب، بحيث تشمل جميع المجالات الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية.  ناهيك عن دور العنف في التأصيل لثقافة جديدة تقوم على سلوكيات غير مبررة في مجملها، وتدفع الافراد لارتكاب مثل هذه الأفعال مقدمة لهم العديد من المبررات والمسوغات الواهية.
ومن المهم أن ندرك أن التعصب، بكل مفرداته وأشكاله، ليس وليد التعدد الديني أو المذهبي، وإنما هو وليد العملية الإدارية والسياسية التي لم تتعامل مع هذه التعدديات بعقلية حضارية جامعة، وإنما تعاملت معها بعقلية الفرز والتصنيف والتهميش. أيضا علينا أن ندرك أن تشرذم البنية الاجتماعية بمجتمع من المجتمعات لا يفترض فقط وجود تمايز ديني أو عرقي مسبق، وإنما قد يخلق هذا التمايز داخل الدين أو العرق الواحد كما حدث في المسيحية الأوروبية.  بمعنى أن التمايز الديني أو العرقي المسبق هو الذي يولد التفكك الاجتماعي، ويعمل هذا الأخير على بلورة التمايزات وإنعاشها بإعطائها قيماً جديدة وأوزاناً مختلفة يجعلها مجالاً خصباً للصراع والعنف.   أما في المجتمعات العربية، يمكن تفسير ظاهرة العنف على أنها نتاج طبيعي للثقافة التي تنتجها العقلية المتعصبة، والتي تختزل الحق في ذاتها، ولا ترى الأمور إلا بمنظارها أحادي العدسة.  وبالتالي نجد أن خطاب التنازع والتغالب هو الذي ينتج سلوكيات العنف على اختلاف أشكالها ومستوياتها، ما يجعل نشر ثقافة التسامح ونبذ ثقافة التعصب ومنطقها الأحادي أمراً حتمياً وواجباً حضارياً، لأن العنف لا يولد إلا عنفاً مثله أو أعظم منه.
ولكن يجب أن ندرك أن آليات مواجهة هذا الموقف تتطلب إدراك ما يستخدمه المتعصبون لتبرير عنفهم وتطرفهم، لأن المضامين الفكرية هي التي تقف خلف الممارسات العنيفة، وذلك لأنها تحول الأفكار من أداة للتحرير والانعتاق إلى آلية للإقصاء والقمع والاستبداد ما يعيد إنتاج الأزمة التي حاولت إصلاحها أو حلها من قبل. فالأفكار حينما يتم اختزالها في وعاء ضيق يتولد عنها التعصب وتتحول إلى محضن حقيقي لتفريخ العنف بكل أشكاله. أما على المستوى الاجتماعي، فعلينا إزالة المبررات التي تدفع الناس إلى تبني خيارات العنف في العلاقة مع الآخرين بالعمل على تحقيق نسبي للعدالة الاجتماعية؛ لأن التفاوت في المستوى الاجتماعي قد يدفع ببعض المتضررين من هذه الحالة إلى تبني الاتجاهات المتطرفة والمتعصبة. أما على صعيد الخطاب الايديولوجي فقد أدى تحويل بعض مفرداته إلى عقيدة مغلقة، على شاكلة التعاليم المنزلة أو المعصومة، ما أفضى إلى نوع من الاستعلاء في التعامل مع الآخرين، وهذا النموذج في التفكير المتعصب، هو وليد التعامل المنغلق مع الأفكار والقناعات الذاتية، ما يدفعنا إلى نهج وطريقة جديدة في التعامل مع هذه الأفكار تكون مؤسسة على نسبية الاجتهادات البشرية والتسامح والحوار والانفتاح.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث