جريدة الشاهد اليومية

اقتصادي تنبأ بذلك قبل وقوعه بيوم

«وول ستريت» أعاد مأساة «الاثنين الأسود»

أرسل إلى صديق طباعة PDF

في أغسطس عام 1987، كانت ذكريات الركود الذي شهدته الولايات المتحدة في مطلع العقد تتلاشى، بينما الاقتصاد يبلي بلاءً طيبًا بالتزامن مع صعود قوي للأسهم في «وول ستريت»، التي استفادت من سياسات الاحتياطي الفيدرالي.
ويعود الفضل في ذلك لرئيس البنك المركزي آنذاك «بول فولكر» الذي خلص البلاد من الضغوط التضخمية المفرطة، بعدما شهدت أسوأ ركود منذ الثلاثينات بسبب ارتفاع أسعار الفائدة لمستويات قوية، بحسب تقرير نشرته «الغارديان».
وما إن تراجع التضخم، انخفضت تكاليف الاقتراض بشكل حاد وتعافى الاقتصاد، وهو ما ساعد رئيس البلاد «رونالد ريغان» في الفوز بولاية ثانية بنتائج ساحقة في الانتخابات التي جرت عام 1984.
في الأساس، تولى «فولكر» هذه المهمة خلال عهد الرئيس الديمقراطي «جيمي كارتر»، لكن «ريغان» رأى أنه غير حريص على تنفيذ خطط تخفيف القواعد التنظيمية المالية لذا قرر استبداله بـ «آلان غرينسبان».
وبعد ذلك بشهرين – في أكتوبر عام 1987- كان انهيار السوق الاميركي «الإثنين الأسود» الذي حذر الصحافي والكاتب الاقتصادي البريطاني «لاري إليوت» من تكراره في التقرير المنشور قبل 24 ساعة من خسائر «وول ستريت» التي فقد خلالها «داو جونز» 1175 نقطة في هبوط تاريخي للمؤشر.
ويبدو ذلك مألوفًا، فالاقتصاد الاميركي قبيل الإثنين الأسود كان ينمو بوتيرة معتدلة، والبطالة منخفضة، ثم ظهرت علامات التضخم، وأيضًا كان الدولار ضعيفًا ومستويات الأسهم في ارتفاع مستمر، ثم تم تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي.
وينطبق الأمر ذاته على الوضع الحالي، حيث تولى «جيروم باول» قيادة البنك المركزي الاميركي خلفًا لـ «جانيت يلين»، وسط تذبذب في أسواق الأسهم والسندات، وكانت أسباب «ترامب» لهذا التغيير مشابهة لدوافع «ريغان» قبل 30 عامًا.
وأيضًا كان لـ «يلين» دور كبير في مساعدة «ترامب» خلال عامه الأول من الرئاسة على تحقيق وعده للناخبين بتسجيل معدل نمو قوي، بالإضافة إلى ارتفاع الأسهم في «وول ستريت» إلى مستويات قياسية.
ومؤخرًا، بدأ «وول ستريت» استشعار الخوف إزاء احتمالات ارتفاع التضخم، وأظهرت البيانات استقرار معدل البطالة عند أدنى مستوياته في 17 عامًا، ونمو الأجور بوتيرة سنوية هي الأسرع في ثماني سنوات.
وخلال الأسبوع الماضي، بدأ السوق ينتابه القلق من اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة من المتوقع، وهو ما رجحته التكهنات بشدة مع تولي قائد جديد لدفة البنك المركزي للبلاد.
ورغم أن الأساسيات الاقتصادية يقال إنها جيدة ولن يكون هناك تهديد تضخمي حقيقي من ارتفاع الأرباح التي يتسبب فيها نمو الإنتاجية، لكن موقف السوق خلال الأسبوع الماضي، ليس سوى إعلان لقدوم عاصفة غاضبة.
والحقيقة أن الاستثمار والإنتاجية ضعفا منذ الأزمة المالية في 2008، وديون الأسر مرتفعة، ولا يستطيع المستهكلون سوى تمويل إنفاقهم الخاص من مدخراتهم أو عبر مزيد من الاقتراض.
وتزايدت المضاربات في السنوات الأخيرة بسبب ضخ البنوك المركزية أموالًا ضخمة في النظام المالي بفضل أسعار الفائدة المنخفضة وسياسة التيسير الكمي.
وساهم ذلك في الحفاظ على المصارف من الانهيار وضمان تجاوز الركود الذي وقع في الفترة بين عامي 2008 و2009، وألا يتحول لكساد كبير كما في الثلاثينات، لكن ذلك لم يحدث دون تكلفة بالطبع.
وتعتقد الأسواق إنها إذا تصرفت بشكل غير مسؤول وتسببت في ازدهار المضاربات مرة أخرى، فإن استجابة البنوك المركزية ستكون فائدة صفرية أو حتى سالبة بجانب المزيد من التيسير الكمي.
وقامت البنوك المركزية بما يكفي بالفعل في الفترة بين عامي 2008 و2009 لمنع انهيار الرأسمالية، وستظهر الفترة المقبلة ما إذا كان قد تم استخدام هذه الإجراءات لمعالجة الضعف الهيكلي المتسبب في الأزمة أم لا.
وإذا كان هذا هو الحال، فلا يمكن القول سوى أن ما أظهرته الأسواق الأسبوع الماضي ليس إلا تذبذباً، لكنه في الحقيقة لا يبدو كذلك.
وربما يجد «دونالد ترامب» نفسه في موقف محرج بعدما تفاخر خلال كلمته بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بارتفاعات الأسهم القياسية، التي قال إنها جاءت بفضل قيادته الاقتصادية.
ويبدو أيضًا أن المشكلة تأتي عادة سريعًا مع قدوم رئيسًا جديدًا للاحتياطي، فـ  «غرينسبان» مثلًا اضطر لمواجهة الأزمة بعد شهرين من قدومه، فيما انتظر «بن برنانكي» 18 شهرًا قبل وقوع البلاء، فمتى سيعلن «باول» الطوارئ؟

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث