جريدة الشاهد اليومية

معوقات التطور والإعمار قوانين متضاربة ورجال متمصلحون

انفخ يا شريم.. قال: ما من برطم

أرسل إلى صديق طباعة PDF

b_100_53_16777215_0___images_1(630).pngفي لقاء رؤساء التحرير منذ أيام مع حضرة صاحب السمو أمير البلاد طلب سموه أن يراعي الإعلام الوحدة الوطنية وألا يزرع الفتنة الطائفية والمذهبية والقبلية، لأن الكويتيين كويتيون فقط، وكانت الرسالة الثانية هي ترشيد وخفض الدعومات، وبمداخلة بعض رؤساء التحرير بما يخص الهدر والمصروفات، أجاب سموه بجملة: انفخ يا شريم، قال ما من برطم.

ولكي أروي قصة انفخ يا شريم، كان أحد شيوخ الصحراء يوقد ناراً كعادته كل يوم لكي يعرف المارة والبشر أن قهوة الشيخ موجودة على النار، وكان منفاخ النار قد تعطل، فقال لأحد رجاله القريبين منه: انفخ يا فلان، فلم يفعل ذلك، فالتفت إليه ثاني مرة، وقال انفخ يا فلان على النار لتشتعل، فقال: ما من برطم، لأنه كان أشرم، ولا يستطيع النفخ. ومنذ لقائنا بحضرة صاحب السمو وأنا أفكر وأتساءل: لماذا قال صاحب السمو هذه الجملة، وماذا يقصد، خصوصاً أن سموه يقول ما يعنيه، لأن الإيحاء الأول الذي تلقاه الموجودون في الاجتماع بأن إيراد الدولة أصبح قليلاً جداً ولا يمكن الصرف ، هذا ما تصوره أغلب الموجودين بأن المقصود ماديا، لم يعد هناك مقومات مادية للصرف، لذلك قال سموه: انفخ يا شريم، إلا أنه بعد التقييم والاستشارات من رجالات الكويت وبعد التحليل فقد وصلت الى نتيجة مفادها بأن الحكيم عندما يقول حكمة، فإنه يقصد معنى الحكمة التي قالها، وحكمة سموه كانت عميقة جداً، حيث مرت على رؤساء تحرير الصحف وهم من كان يجب عليهم أن يكونوا عباقرة الفهم والفطنة والثقافة والحوار والكتابة ومعنى الجمل والكلام، إلا أنهم يرأسون إعلاماً متمصلحاً لا يخدم وطناً، بل يخدم من يضع إعلاناً فقط، وكما ذكرت بعد التقييم، قال سموه بالحرف الواحد: انفخ يا شريم، قال: ما من برطم، فقد كان سموه يقصد معوقات رجال الدولة الموجودين في جميع المناصب. فلو ذهبنا الى أبناء أسرة الصباح، فما أكثر النقد لديهم واعتراض الواحد منهم على كل ما يقوله أبناء عمه، بحجة قناعاته، شرط ألا يكون ذلك بحضوره، وإن ذهبنا للحكومة، فلا نجد سوى وزراء تصرح، وفي اليوم التالي تلغي تصريحها، أو بمعنى أصح، يدلي الوزير بتصريح يناقض ما قاله بالأمس، وكل ما يقومون به هو نقد لزملائهم، فدائماً تسمع الوزير يقول: الوزير الفلاني غير متعاون، الوزير العلاني لا يقوم بواجبه على أكمل وجه، فلا خطة يقوم بها هؤلاء مكملين بعضهم فكل منهم يرى نفسه هو الحكومة، هو الأساس، وما باقي الوزراء إلا مساندين له، لأن رئيس الحكومة قال لي شخصياً: أنا أرأس جلسة مجلس الوزراء، ولا أرأس الوزراء، ويجب أن يعطى الوزير حقه كاملاً بإدارة وزارته دون تدخل مني كرئيس وزراء، طامة ما بعدها طامة، بمعنى حتى لو كان ذلك يتضارب مع بقية الوزارات. وإن ذهبت للبرلمان، وما أدراك ما البرلمان، فالرئيس الغانم حريص كل الحرص على أن يثبت نجاحه مهما كان الثمن، وحريص على أن يصدر قوانين متلاحقة، الواحد تلو الآخر، لإثبات أنه مجلس إنجاز، مجلس قوانين، مع أنه لم ينفذ قانوناً واحداً من قوانين البرلمان، كلها كلام على الورق، والسبب كثرة القوانين التي صدرت طيلة العشرين سنة الماضية، وتضارب القوانين مع بعضها، ما جعل قوانين الكويت أكثر مما تحتمل، فبدلاً من أن تنظم الحياة القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية... إلخ، أصبحت القوانين توقف كثيراً من الأمور في الدولة لأن قانوناً يعارض الآخر، فيتوقف القانونان، وهذا ما حصلنا عليه بسبب مجالس الأمة المتتالية، فكان الكل ومازال يحرص على إصدار قوانين شعبوية يغازل بها المواطنين، ويرضي بها الشارع، فأصبحت القوانين مضرة على الدولة، على الكويت.

يجب على البرلمان المحترم في أي دولة بالعالم أن يصدر قوانين لخدمة الدولة وليس لخدمة الشارع، فعندما تُخدم الدولة، يُخدم جميع من يعيش على أرضها، لكن عندما يخدم البرلمان الشارع، فإنه يغازل فئة محددة، بمعنى أوضح، عندما يصدر قوانين تجارية، فالمستفيد التاجر، وليس المواطن، وعندما يصدر قوانين مخصصات وعلاوات، فلا يستفيد إلا موظف الدولة، إلى أن أُقنع المواطن وتربى على أن يأخذ ويأخذ ولا يقدم، وهذه ثقافة تدمر ولا تعمر البلدان، ناهيك عن خلافات النواب العقلية والفكرية، فما أكثر المعاقين ذهنياً، ليس فقط في البرلمان، فهناك معاقون ذهنياً في الحكومة، وفي كثير من أجهزة الدولة وأشهرهم المعاقون ذهنياً في الإعلام. وإن ذهبنا الى التجار وحروبهم المتتالية على مناقصة وعلى قرار مالي، فدائماً ما تدفع الكويت قاطبة الثمن، فكل حروب التجار تتحول إلى حروب إعلامية، ثم إلى حروب مواطنين، ناس مع، وناس ضد، وخصوصاً تأخير تسليم المناقصات، فهناك مشاريع وصلت 12 سنة لم تسلم، فأكثر مشاريع الكويت في العقد الماضي كانت تحصيل فلوس وعدم إنجاز. أما التجمعات السياسية بأنواعها وأشكالها ومسمياتها وألوانها، فمستحيل أن تجد أحداً من هؤلاء يتفق مع الباقين على قرار، أو موقف تتخذه الكويت لمصلحة الكويت، دائماً يدخلوننا في عدم قناعتهم بموقف، أو محاربتهم لموقف، فيؤججون الشارع، ويزرعون الفتن، مرة طائفية، ومرة فئوية، ومرة مذهبية، والجهلاء كثيرون قابلون وجاهزون أن ينفعلوا ويقوموا بأفعال مشينة. وإن ذهبنا الى موظفي الدولة من وكيل إلى وكيل مساعد إلى مدير إلى رئيس قسم، فما أكثر الحروب والصراعات التي يقوم بها هؤلاء من إخفاء أوراق أو مستندات أو تسريبها إلى جهات تحارب بها موقفاً، والدليل على فشلهم عدم تحصيل أموال الدولة من القطاعين الخاص والعام والذي وصل إلى مئات الملايين، وعندما تدخل على أي موظف من هؤلاء بمعاملة، يوجد لك مئة عقبة وعقبة، إلى أن تضطر لتوقيع الوزير شخصياً، بيروقراطية عفنة، ما وصلتها دولة من دول العالم، فأنا شخصياً بالأمس طلبت 4 خطوط تليفون، فاحتاجت المعاملة لتوقيع وكيل وزارة المواصلات شخصياً، يا سبحان الله، خط تليفون محتاج توقيع وكيل وزارة؟ وين صارت، إلا في الكويت؟ الروايات والقصص على جميع الوزارات كثيرة، كثيرة، لأن أغلب مسؤولي وقياديي الوزارات والمؤسسات بالدولة ناس معقدة، ناس مريضة نفسياً، ناس لديها نقص، ناس كل ما تريده أن تثبت أنها مسؤولة، فتتفلسف على البشر، وتعرقل مسيرة الدولة، لأن مصالحها موجودة. فلو ذهبنا للداخلية، إما مكاتب تكاسي، أو مكاتب إنهاء معاملات بأسامي منتسبي الدولة. وإن ذهبنا للصحة، إما توريد معدات، أو توريد أدوية، أو توريد ممرضين ومتخصصين طبياً. وإن ذهبنا للتربية، فالأغلب يملك أو شريك في جامعة أو معهد أو مدرسة. والتجارة، شركات وأسهم ومشاريع. والمواصلات، نجد شركات الاتصالات وشركات النت، والخافي أعظم. ووزارة الكهرباء والماء، ما تعرف منو الموظف ومنو المقاول. ووزارة الأشغال، أغلب الموظفين، إما ملاك شركات مقاولات، وإما موظفون لدى شركات المقاولات. ووزارة الشؤون، وما أدراك بالشؤون. والبلدية، قالها سمو الأمير «بعارين ما تشيل فسادها». والأوقاف، دولة داخل الدولة، يقودها مصري من المقطم، لقب نفسه مرشد المسلمين. والإعلام، كل الموظفين إما منتجو أفلام وثائقية، أو مسلسلات، أو منتج منفذ، يسرقون أفكار المبدعين لحسابهم. والمالية، خط أحمر. والخارجية، خارجة عن نطاق التغطية.

والدفاع، يا ويل اللي يقرب منها، يهاجم بالمدافع.

ولو أردت أن أشرح كل ما رصدته فإنني أحتاج إلى كتب، إلا أنني أقول لسمو الأمير، حفظه الله ورعاه: قد فهمنا ما قصدته بقول سموك: انفخ يا شريم، والذي أجاب: ما من برطم، لأنه كلما أمرت سموك باتخاذ القرار الفلاني، أو تنفيذ القرار الفلاني، أجابك القياديون والمسؤولون على مستوى الدولة: ما من برطم، لأنهم غير قادرين على تنفيذ توجيهاتك ورؤاك، وغير قادرين على اللحاق بركب خططك التي ترسم وتخطط لكي تصل إليها الكويت.

نعم، بهكذا رجال، بهكذا قوانين، بهكذا أعراف، لا برطم.

والله ولي التوفيق.

صباح المحمد

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث