المقالات

لا عيب في القوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير

أي عيب أكبر من هذا العيب؟ جسم البغال وأحلام العصافير، هذا الوصف يجعلنا نتذكر المثل القائل : الرجال مخابر وليسوا بمناظر، فلا يغتر أحد بالمنظر الخارجي وعليه اختبار من يريد أن يصاحبه،  حتى لا يبتلى بصاحب سوء يريد ان ينفعه فيضره، وقد قال المولى عز وجل: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4-المنافقون) وقد وصف هؤلاء الناس هذا الشاعر ببيت آخر فقال:
كأنهم خشب جوف أسافله
مثقب فيه أرواح الأعاصير
وهذا وصف لهم أسوأ من الوصف الأول, فقد جعل الرجل منهم كالطبل الأجوف، وبالنسبة لأحلام العصافير فهي عبارة كثيرا ما استمعنا اليها وربما لا يعرف معناها البعض، وهي الأحلام التي لا يضبطها عقل إنسان فهي أشبه بأحلام لا تمت للحقيقة بصلة، ولا يمكن لها أن تحدث في الواقع، وكثير من الناس مصاب بهذا الوهم، وربما رأيت رجلا طويلا وسيما قسيما وعندما يتحدث معك تتغير نظرتك الأولى له وربما سقط من عينك، وأحلام العصافير هي عقول العصافير، ومن هنا هجا حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي عليه الصلاة والسلام, الحارث بن كعب بن عمرو فقال فيه:
حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم
عنا وأنتم من الجوف الجماخير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم
جسم البغال وأحلام العصافير
كأنكم خشب جوف أسافله
مثقب فيه أرواح الأعاصير
لا ينفع الطول من نوك الرجال ولا
يهدي الاله سبيل المعشر البور
وكان سبب هجاء حسان للحارث بن كعب أن النجاشي الشاعر هجا بني النجار فانتشرت أبيات حسان حتى جاء بنو الحارث حسان بالنجاشي موثقا فعفا عنهم ، وقال له بنو عبدالمدان: كنا نفتخر على الناس بالعظم والطول فأفسدته علينا بأبياتك فقال لهم:
وقد كنا نقول إذا رأينا
لذي جسم يعد وذي بيان
كأنك أيها المعطى بيانا
وجسما من بني عبد المدان
فعادوا الى الإفتخار بذلك، وربما صعب معرفة بعض الكلمات الواردة في الأبيات مثل «جماخير» وهي جمع جمخور والمعنى: الواسع الجوف، أما النوك فهم الحمقى وهي جمع الأنوك، والبور الخاسر الهالك، هذا ما قاله الصحابي الجليل حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار «تيم الله» الخزرجي، وهو شاعر مخضرم عاش في الجاهلية 60 سنة وفي الإسلام مثلها، وأسرته ذات شأن عظيم في الجاهلية والإسلام وقد كان أبوه حكما بين الأوس والخزرج وقد نزل عليه عثمان بن عفان لما هاجر الى يثرب فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ويكفيه فخرا ان النبي قال له : اهجهم حسان وجبريل معك (رواه الترمذي) وهي فضيلة عظيمة خص بها حسان بن ثابت، وقد اختلف في تاريخ وفاته والأقرب الى الصحة أنها في خلافة معاوية بن أبي سفيان بعد الخمسين للهجرة, وأكتفي بهذا القدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق