المقالات

ديوانيات التواصل الاجتماعي

الديوانية أو المجلس هي احدى ركائز المجتمع الخليجي والكويتي على الأخص. ولقيمتها يخصص لها مكان في صدر المنزل، أو في مبنى خاص بها. وتصرف على تأثيثها والعناية بها الكثير من الأموال. لأنها واجهة المنزل، وعنوان للعائلة أو المجموعة من روادها. والديوان يكون في العادة مخصصاً للرجال فقط. وان كسرت هذه القاعدة وبدأ بعض النسوة باستقبال زوارهن في ديوانياتهن. والديوانية كانت في الماضي بمثابة غرفة علميات مصغرة. يتم فيها تداول الأحداث المهمة، سواء الاجتماعية أو السياسية. ويتخذ منها قرارات وتخرج منها توصيات. وتتم فيها تسويات وحلول لخلافات بطرق ودية، وسليمة. ويدير هذه الحوارات أو التسويات رجال ذوو خبرة، وحنكة، ومقدرة. وهم في الغالب من كبار السن المشهود لهم بالصلاح، والورع، وسعة البال. وفي الديوانية يتم تداول كل الأخبار، والعلوم، والمستجدات المحلية والإقليمية والدولية.
ويتصدر الشعر والشعراء، والأدباء سدة، ودفة الصدارة في الحديث، لما لهم من قبول لدى الرواد. ولما لحديثهم من تأثير، ووقع على مسامع الجميع. لذا يقال في المثل الشعبي «المجالس مدارس» لذلك يحرص الكويتيون، وغيرهم من أصحاب الديوانيات على اصطحاب أبنائهم معهم الى الديوانيات. ليتعلموا، ويتأدبوا ممن يكبرهم سنا ويتعلمون أصوال السلام والجلوس، والحديث. وللديوانيات طقوس، وأحكام، وقواعد أخلاقية. منها الإنصات للمتحدث، وعدم مقاطعته. وعدم السماح بالأحاديث الجانبية. عندما يكون هناك متحدث رئيسي للفائدة وعدم المقاطعة. ولها أيتكيت في الدخول، والخروج، والسلام. فيبدأ بعد الدخول بإلقاء التحية على الجميع. والبدء بالمصافحة من الجهة اليمنى من أول الجالسين. وعادة ما يكونون من كبار السن، والوجهاء، أو صاحب الديوان. ويقوم الحضور للضيف ولا يجلسون إلا بعد أن يأخذ مكانه في صدر المجلس أو المكان المناسب الذي يختاره له صاحب الديوانية أو القائم عليها. وتقدم في الديوانيات المشروبات التقليدية كالقهوة، والشاي. وحديثا بعض العصائر، والمعجنات. وان كانت القهوة قديما، وحديثا هي المشروب الرئيسي. وجل اهتمام صاحب الديوان الذي يحرص بنفسه على صنعها، وتجهيزها. وتوفير «دلال القهوة» والتي تعتبر من أهم تجهيزات، ومكونات الديوان. أما الآن فهي للديكور. وتقام في الديوانية كل المناسبات من أفراح، وأتراح. كالزواج، والعزاء. وان كان البعض قد حولها الى مكان للندوات السياسية، والثقافية والدينية. لذا كان للديوانية دور اجتماعي، وثقافي، وتعليمي. وكانت مناراً، وشعاراً للعلم والأدب، وكرم الضيافة. أما الآن فقد تحولت الدواوين الى أماكن للاستمتاع، والانشغال بأجهزة التواصل الاجتماعي. دون أي حوار اجتماعي أو أدبي. فالكل يعبث بجهازه ومنغمس في شأنه الترفيهي الخاص. الكل مجتمع تحت سقف واحد لشرب الشاي والقهوة. ولكن قلوبهم شتى، وعقولهم وأعينهم على هواتفهم لمتابعة المباريات أو اللعب. أو متابعة «الفاشينستات أو البلوقرز» دون حراك وكأن على رؤوسهم الطير. خاشعة أبصارهم على أجهزتهم لا يسمعون غيرهم، ولا يأبهون لما يدور حولهم. وكأن الديوانية أصبحت مكاناً للانطواء والانعزال عن الناس. بعد ان كانت مكاناً للتواصل الاجتماعي، والحضاري. أصبحت مكاناً لمتابعة أجهزة التواصل الاجتماعي!

تعليق واحد

  1. جميل جدا هالمقال
    ان دل اولا فيدل على انك كويتي اصلي يادكتور
    ذكرتنا في دواوين الاباء وكيف نجلس صامتين لفتره طويله
    ونستمتع إلى احاديثهم الجميله .
    اما الان على الديوانيه السلام؛ لا أحد يهتم بها الا القله القليله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق