المقالات

الغربة القاتلة

يشكو البعض من الشعور بالغربة عندما يسافرون من بلادهم إلى بلاد أخرى أو عندما ينتقل الإنسان من المنطقة أوالمدينة أوالحي الذي عاش فيه معظم فترات شبابه وصباه إلى مدينة أخرى حتى ولو كانت هذه المدينة في نفس الدولة.
البعض يشعر بالغربة وخاصة النساء عندما تتزوج وتنتقل من بيت أسرتها إلى بيت أسرة زوجها رغم التقارب والمعرفة بين الأسرتين.
ويستطيع بعض البشر أن يتكيف مع الظروف والأماكن خارج محيط دولته وأسرته مع مرور الوقت.
وهناك نوع آخر من الشعور بالغربة يصعب التكيف والتأقلم معه! هذا النوع من الغربة هو الشعور بالغربة وأنت داخل بلدك وبين أهلك وأصحابك وزملائك وفي وطنك الذي عشت فيه منذ نعومة أظافرك! وطنك الذي تربيت فيه على قيم ومبادئ حددت طبيعة شخصيتك وسلوكك الإنساني في التعامل مع البشر والحجر.
نعم تشعر بالغربة عندما تنقلب هذه القيم والمبادئ رأساً على عقب أمامك ومن بني جلدتك وأبناء وطنك ! ويصبح الكذب مشروعاً والظلم مقبولاً والمراوغة والدجل والتزلف مطلوباً ! ويصبح الصادق منبوذاً! ويضيع مبدأ العدل والإنصاف والمساواة ويتزعزع مبدأ تكافؤ الفرص وتنمو بدلا عنها المبادئ والقيم الحزبية والقبلية والطائفية والعنصرية!
نعم حتى في محيط عملك وتخصصك العلمي والعملي تشعر بالغربة عندما تنقلب أخلاقيات العمل والقيم والمبادئ الإنسانية رأساً على عقب! فهذا شيخ الدين لا يرى ضرراً بقبول الرشوة لتفسيره وفهمه الخاطئ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «تهادوا تحابوا»! وهذا المعلم ودكتور الجامعة يوزع الدرجات العلمية على من لا يستحقها من أبناء المعارف والأصدقاء تحت شعار «من صادها عشا عياله»!وهذا المواطن يدلي بصوته لمن لا يستحقه تحت شعار «أنا وابن عمي على الغريب»! وهذا عضو البرلمان يحيط نفسه بأشباه المستشارين لأنهم من نفس القبيلة أوالتوجه السياسي أوالطائفة أو المنطقة ومستغلاً مبدأ «الذي تكسب به إلعب به»!وهذا الطبيب يسهر على راحة ويلازم ويتزلف للمسؤول المريض في الوقت الذي يتهرب من المواطن المسكين ضارباً «قسم المهنة» بالحائط.
والأمثلة والمواقف التي يتعايش معها الإنسان يومياً على هذه الشاكلة من المتناقضان كثيرة ومتعددة ما يشعر الإنسان بالإحباط ويزيد من الشعور بالغربة.
ويشعر الإنسان بأعلى درجات الغربة عندما يكون بين زملائه في المهنة ويرى أمام عينيه زيف قيم وأخلاقيات العمل والمبادئ الإنسانية من صفوة المجتمع!
نعم نشعر بالغربة بالوطن عندما تغيب الشفافية وتنتهك مبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن! نعم نشعر بالغربة عندما لا تحترم القيم الإنسانية الفاضلة وتطغى قيم الانحلال والابتذال ويزداد تشويه منظومة القيم والثوابت والأخلاق والمبادئ الاجتماعية.
فإلى متى سيعيش الإنسان غريباً في وطنه وبين أهله ومجتمعه؟
ودمتم سالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق